عمل الأطفال وتسولهم يتفاقمان في لبنان

جمعية "بيوند" تساعد أطفال الشوارع على الخروج من حياتهم المظلمة في لبنان، والأسر ترفض إعادة تأهيل أطفالها مفضلة الاعتماد عليهم.
السبت 2017/09/30
أطفال يحتاجون إلى حماية

بيروت - يعتبر عدد الجمعيات المهتمة بشؤون الأطفال ومكافحة عمالتهم في لبنان محدودا، لكن فعليّا لا تتوفر مؤسسة رعاية تساعد أطفال الشوارع على الخروج من حياتهم المظلمة، وإقناعهم وأسرهم بضرورة سلك طريق العلم للوصول إلى مستقبل أفضل.

وفي هذا الإطار تأتي “جمعية بيوند”، التي أسسها جوزف عواد في العام 2002، بدعم من منظمة العمل الدولية، بهدف تقديم الحماية للأطفال المشرّدين في شوارع لبنان، كما تستهدف جميع الجنسيات والأعراق والديانات.

وعن عمل الجمعية يقول عواد، إنّ دور الجمعية ليس تقديم معونة غذائية أو ملابس في المناسبات والأعياد، بل مساعدتهم من خلال تقديم الدعم النفسي لهم ومن ثمّ حثهم على تلقّي الدروس في محو الأمية، كي يتأهلوا لاحقا ثم متابعة تعليمهم في المدراس الرسمية.

وأضاف أنّ الجمعية تعمل على محورين أساسيين، هما محور الصحة بالتنسيق مع وزارة الصحة اللبنانية، والتي تهتم بتوفير الرعاية الصحية الأولية للأطفال السوريين والفلسطينيين داخل المخيّمات.

أما المحور الثاني فهو العمل على تعريف الأطفال بحقوقهم وكيفية الدفاع عن أنفسهم ضد أيّ استغلال يتعرضون له معنوياً أو جسديا.

وفي هذا الإطار أنشأت الجمعية مركزاً يضم ثلاثة طوابق في منطقة الأوزاعي في العام 2014 (منطقة شعبية جنوبي العاصمة بيروت تضم عددا من الأحياء العشوائية والأطفال المتسولين)، يستوعب 200 طفل من كافة الجنسيات أصغرهم في سن الخمس سنوات وأكبرهم في سن الـ14.

وبحسب عواد تعتزم المؤسسة إنشاء طابق جديد مخصّص للأطفال دون سن الثالثة لحمايتهم من البقاء في الشارع أو تعرضهم لأي خطر جنسي أو غيره. ولفت عواد إلى أنه، بالتعاون مع مكتب منظمة العمل الدولية في لبنان، تم وضع مخططات لأنشطة رياضية وتعليم الفن المسرحي والعزف على الآلات الموسيقية، لما لذلك من انعكاسات إيجابية على التركيبة النفسية للطفل.

بدوره، لفت مدير مكتب منظمة، العمل الدولية في بيروت فرامك هارغن إلى أن المنظمة تهتم جدا بموضوع عمالة الأطفال أو المتسولين منهم وتحاول قدر المستطاع الحد من هذه الظاهرة رغم الصعوبات الكثيرة. وأضاف أنها تخاطب كذلك الأسر التي ترفض إعادة تأهيل أطفالها مفضلة الاعتماد عليهم لتأمين مداخيل منهم.

"بيوند" تعمل على تعريف الأطفال بحقوقهم وكيفية الدفاع عن أنفسهم ضد أي استغلال معنوياً أو جسديا

الطفل عمر الباشا، الذي كان متسولا، وبمساعدة الجمعية، يحاول اليوم متابعة دراسته، ويحلم بأن يصبح مغني راب مستقبلا، يعبّر عن شكره للجمعية التي قدّمت له المساعدة. وأشار إلى أن مساعدة اجتماعية بالجمعية تعرّفت عليه، وأقنعته بضرورة تغيير مسار حياته من التسول إلى عالم أفضل وهذا ما حدث له. وأوضح أنه يتلقّى دروساً في محو الأمية، منذ سنتين، وهدفه الوصول إلى مركز مرموق في المجتمع.

وكشفت دراسة حملت عنوان “الأطفال المنتشرون والعاملون في الشوارع في لبنان: خصائص وحجم”، أن اللجوء لم يكن بأي شكل من الأشكال المسبب الرئيسي لظاهرة أطفال الشوارع، وإنما هناك 4 عوامل أساسية تدفع الأطفال إلى الشوارع هي: التهميش أو الإقصاء المجتمعي، وهشاشة الأوضاع الأسرية، وتدفق اللاجئين السوريين، والجريمة المنظمة واستغلال الأطفال.

قدّرت الدراسة التي أطلقتها وزارة العمل، ومنظمة العمل الدولية، واليونيسف ومنظمة إنقاذ الطفل الدولية العدد الإجمالي للأطفال الذين يعيشون ويعملون في الشوارع بنحو 1510 طفلا في 18 منطقة، يتركز 79 بالمئة منهم في بيروت وطرابلس. أعلى النسب في بيروت تتوزع على 3 مناطق هي الحمرا (338 طفلا)، كولا- طريق الجديدة (290 طفلا) وعين المريسة (201 طفل).

واستنتجت من توزّع الأطفال على هذه المحاور النشطة تجاريا أنّ “الأطفال في الشوارع يتركّزون في البعض من الأجزاء المحدّدة من المدينة، ويجولون على نحو عشوائي في أجزائها الأخرى، حيث يفضلون مناطق معينة لممارسة عملهم، حتى وإن كان ذلك يعرّضهم لمنافسة أكبر. وهذا ما يؤشّر على حقيقة أنّ النسيج الاجتماعي هو معيار آخر يؤخذ بالاعتبار من قبل الأطفال في الشوارع عند تحديد المناطق التي ينبغي استهدافها”.

كما أفادت أن هذا الأمر “يؤكد أن الأطفال في الشوارع منظمون تنظيما جيّدا ويجري التخطيط مسبقا لنشاطاتهم”.

وبيّنت أن نوعية المهن التي يمارسها هؤلاء الأطفال مختلفة، حيث ينخرط 43 بالمئة من الأطفال في أعمال التسوّل، و37 بالمئة يبيعون في الشارع، أماّ الباقون، فيتوزعون على 7 أنشطة مثل تلميع الأحذية، التنظيف، قراءة الطالع..

العديد من الأطفال الذين يعملون في الشارع تسيطر عليهم وتديرهم شبكات الأعمال الإجرامية المنظّمة

وتدخل الدعارة ضمن هذه الأنشطة بنسبة 0.2 بالمئة فقط، لكنّ 17 بالمئة من الأطفال من الإناث تعرضن إلى اعتداء جنسي أو اغتصاب، و46 بالمئة من الأطفال تعرضوا إلى اعتداء جسدي من قبل المارة. يعطي 56 بالمئة من الأطفال كل ما يجنون من عملهم للآخرين الذين غالبا ما يكونون أفراد أسرتهم.

ودحضت الدراسة أن السوريين هم سبب ظهور التسوّل، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة مثّلت منذ فترة طويلة مشكلة تتفاعل فيها العديد من المسائل السياسية والاقتصادية- الاجتماعية المزمنة. وقد ساهم تدفّق اللاجئين، الذين يمثّل الأطفال جزءا مهماً وكبيرا منهم، في تفاقم هذه المشكلة؛ إلا أن هذا التدفق لم يكن بأيّ شكلٍ من الأشكال، المسبب الرئيسي لظاهرة الأطفال الذين يعيشون أو يعملون في الشوارع.

كما أشارت الدراسة إلى أن الأسباب الجوهرية التي تدفع بالأطفال إلى الشوارع “تنطوي على مجموعة معقّدة من

العوامل الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، النفسية والمؤسسية الراهنة والمزمنة في آن معا”.

ولفتت الدراسة في ما يتعلق بالعوامل الداخلية المتعلقة بالإقصاء المجتمعي والأنماط الثقافية، إلى أنه على هامش المجتمع اللبناني البعض من الجماعات التي جرى إقصاؤها اجتماعياً (مثل النّوَر،عشائر البدو، العرب، والتركمان)، وهي تتميّز ببعض الخصوصية.

حرم معظم أفراد هذه الجماعات من الجنسية اللبنانية، وحتى عندما تخلوا عن نمط الحياة البدوية، ولكن من دون أن ينتموا تماما إلى النمط الحضري، استمرّ المجتمع في استبعادهم وإقصائهم، فكان لا مفرّ من الانخراط في سوق العمل غير النظامي، أو في العمل في الشوارع.

كما نبّهت الدراسة إلى ظهور عوامل اجتماعية مثل التفكك الأسري والتخلّي عن الأطفال، إذ أن الأسباب الكامنة وراء بروز ظاهرة الأطفال في الشوارع في لبنان، ناجمة إلى حدّ كبير عن التفكّك الأسري والتخلّي عن الأطفال وانفصالهم عن الأهل.

وكشفت الدراسة أن هناك ترابطا بين هذه الحالات وقسوة أحد الأبوين، أو العنف المنزلي، أو التحرّش الجنسي، أو إدمان الكحول، أو حتى تعاطي المخدرات.

وأفادت النتائج أن العديد من الأطفال الذين يعملون في الشارع تسيطر عليهم وتديرهم شبكات الأعمال الإجرامية المنظّمة التي اعتادت، حتى قبل الأزمة السورية، ممارسة الاتجار بالبشر من خلال نقل أطفال الشوارع إلى لبنان، وفي أكثر الحالات، برفقة أسرهم.

وأشارت إلى وجود هذه الشبكات، على مستوى العمل في الشارع، حيث أفاد نحو 5 بالمئة من إجمالي عيّنة الأطفال في الشوارع أنهم يعطون كلّ إيراداتهم اليومية لرئيس الشبكة أو يتقاسمونها معه.

21