عميد الأدب.. حارب الجمود الفكري فاتهموه بالإلحاد

الأحد 2013/11/24
طه حسين بدأ معاركه مبكّرا انتصارا للتّنوير

في هذه الفترة العسيرة التي تعيشها الشّعوب العربيّة الموسومة بصراعات عنيفة وحادّة بين القديم والجديد، بين الظّلمات والنّور، بين الطّموح إلى المستقبل والارتداد إلى الماضي، بين الأمل واليأس، يحضر طه حسين في ذاكرتنا، وفي قلب قضايانا السّاخنة، أكثر من كلّ المفكّرين والكتّاب العرب الآخرين الذين لمعوا في القرن العشرين.

طه حسين (15 نوفمبر 1889 – 28 أكتوبر 1973) لا يحضر فقط بمؤلّفاته التي توزّعت على مجالات مختلفة ومتعدّدة، بل يحضر أيضا، وبالخصوص، بالمعارك الضّارية التي شنّها ضدّ التزّمت والتحجّر وضدّ ثقافة الموت وقوى الظّلام المعادية لقيم التقدّم والتطوّر. هذه القوى التي تستغيث بالماضي وتستجير به كلّما وجدت نفسها عاجزة عن مواجهة تحدّيات الحاضر والمستقبل.

رغم المرض الذي أفقده البصر، وهو في الخامسة من عمره، فإنّ طه حسين أحبّ الحياة وأقبل عليها. لذلك نذر جلّ أوقاته للتعلّم والاستفادة من كلّ ما كان يسمع من أفكار ومن آراء، والنّهل من كلّ ثقافات العالم القديمة والحديثة على حدّ السّواء، وإسداء النصيحة لمن يستحقّونها في أوقات الأزمات والشدّة والعمل على فتح البصائر وتنوير العقول والمساهمة في نشر قيم الحضارة الإنسانيّة الجديدة، وبذل كلّ ما في وسعه من جهود لتحديث اللغة والثقافة العربيّة، وتخليصهما من ظلمات عصور الانحطاط والتخلّف.


معارك التنوير


بدأ طه حسين معاركه مبكّرا انتصارا للتّنوير. فبعد أن غادر قريته في صعيد مصر رافضا أن يكون مؤدّب صبيان تقتصر حياته على ترتيل القرآن في الجنائز وفي المواسم الدينيّة، وجد طه حسين نفسه في جامع الأزهر يستمع إلى شيوخ يردّدون دروسا مضجرة ويتكلّمون بلغة الأموات ويتباهون ببلاغة ركيكة وثقيلة تمجّها أسماع المحبّين لنور الحياة وعقولهم. لذا سارع بالانحياز إلى كلّ من الشيخ محمد عبده والشيخ المرصفي، اللذين كانا مختلفيْن عن هؤلاء، إن لم يكونا مناهضين لهم في التّفكير وفي طرق التّدريس.

وكان الشيخان من المتحمّسين لتغيير مناهج التعليم بهدف إدراج العلوم الحديثة. لذلك وجد الفتى طه حسين في محاضراتهما ودروسها ما أمتعه وفتح بصيرته على عظمة الثقافة العربيّة في عصرها الذّهبيّ. وفي الوقت نفسه، انحاز إلى التيارات التي كانت تدعو إلى التّجديد والتّحديث والتي كان من بين رموزها قاسم أمين، وهو أوّل من كتب مدافعا عن حقوق المرأة في التعليم وفي بناء المجتمع؛ ولطفي السيّد، الذي كان ملمّا بالفلسفة اليونانيّة وبالفلسفة الأوروبّية في جوانبها التنويريّة؛ وفتحي زغلول، الذي كان يترجم الكثير من الكتب القيّمة المدافعة عن الحريّة والمناهضة للاستبداد. وجد طه حسين في الجامعة ما زاده تحمّسا للفكر التّنويري وللثقافة الجديدة. ومن خلال محاضرات أساتذتها الأجلاّء ودروسهم، اطّلع على تاريخ الحضارة المصريّة القديمة وعلى تاريخ الحضارة الإسلاميّة. كما دَرَسَ التاريخ والجغرافيا، وعلم الفلك عند العرب، وتعلمّ اللغات الشرقية القديمة مثل السريانيّة والحبشيّة.

ولكي يزداد استفادة من دروس هؤلاء المستشرقين، شرع في تعلّم اللّغة الفرنسيّة ليصبح من متقنيها في ظرف زمنيّ قصير. وفيما بعد سيكتب عن فترة الدراسة في الجامعة: قائلا: "إنني مدين بحياتي العقليّة كلّها لهذين الأستاذين العظيمين سيد علي المرصفي وكرلو نللينو، أحدهما علّمني كيف أقرأ النصّ العربيّ القديم، وكيف أفهمه، وكيف أتمثّله في نفسي، وكيف أحاول محاكاته. وعلّمني الآخر كيف أستنبط الحقائق من ذلك النّصّ، وكيف ألائم بينهما، وكيف أصوغهما آخر الأمر علما يقرأه الناس فيفهمونه. وكلّ ما أتيح لي بعد هذين الأستاذين العظيمين من الدروس والتّحصيل في مصر وخارجها فهو قد أقيم على هذا الأساس الذي تلقيّته منهما في ذلك الطّور الأوّل من أطوار الشباب".


اتهام بالكفر


في عام 1914، أعدّ طه حسين رسالته الجامعيّة الأولى، وكانت عن أبي العلاء المعري، الشاعر الفيلسوف الذين جعل من الشكّ مذهبا في الحياة، والذي حُرمَ أيضا نعمة البصر.. غير أن بعض شيوخ جامع الأزهر الذين كانوا يكنّون العداء لطه حسين، هاجموا الكتاب بشدّة متّهمين صاحبه بـ"الكفر والإلحاد".

وقد كتب أحدهم يقول: "إن طه حسين- جنى على أبي العلاء فأخرجه من دين الإسلام". وردّ طه حسين على خصومه ردّا مفحما قائلا إنه لم يكن يبتغي من خلال كتابه أن يخرج من الإسلام أحدا، ولا أن يدخل فيه أحدا، وإنما كان هدفه هو التصوير الدقيق لأبي العلاء ولحياته وأدبه وعصره وفلسفته. وكانت العاصفة التي أثارها كتابه عن أبي العلاء لا تزال على أشدّها عندما غادر طه حسين مصر متوجّها الى فرنسا لاستكمال دراسته الجامعيّة.

وبسبب الحرب الكونيّة التي كانت قد اندلعت في السنة المذكورة، كان على طه حسين أن يمضي سنة في مونبيلييه، أجبر بعدها على العودة إلى بلاده بسبب الأزمة الماليّة الخانقة التي كانت تعاني منها الجامعة المصريّة. ومن جديد شنّ هجومات على شيوخ جامع الأزهر، منتقدا بحدّة طرقهم العقيمة في التدريس، فزادهم ذلك حقدا عليه. وبفضل تدخّل ومؤازرة المتعاطفين معه من أصحاب السّلطة والنفوذ في الجامعة المصريّة، تمكّن طه حسين من الحصول من جديد على منحة دراسيّة، فانطلق إلى باريس ليبدأ مرحلة جديدة في حياته، وفي مسيرته العلميّة والفكريّة.

في جامعة "السّربون" العريقة، استمع الى دروس ومحاضرات مفكّرين كبار. كما تعلّم اليونانيّة القديمة واللاتينيّة. وفي هذه الفترة، تعرّف طه حسين على الفرنسيّة سوزان، التي ستكون رفيقة حياته حتى النهاية، و"نور عينيه" المفقود بحسب تعبيره. وفي عام 1918، حصل على شهادة الدكتوراه عن أطروحته حول ابن خلدون وفلسفته الاجتماعيّة، كما حصل على ديبلوم الدراسات المعمّقة في القانون المدني الروماني. وبهذه الحصيلة العلميّة الهائلة، عاد طه حسين إلى بلاده ليدرّس التّاريخ اليوناني والرّوماني في الجامعة.

وكان طه حسين قد تأثر كثيرا بعقلانيّة ديكارت خلال سنوات الدراسة في باريس. لذلك سوف يكون له صاحب "أنا أفكر، إذن أنا موجدود" "القدوة والمثال"، وعنه سيكتب في مقدمة كتابه "في الشعر الجاهلي" قائلا: "أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أوّل هذا العصر الحديث.

طه حسين سعى إلى إقناع خصومه والمناوئين له بأن شكّه بالشعر الجاهلي لا يعني شكّه بالدين


"في الشعر الجاهلي"


صدر كتاب "في الشّعر الجاهلي" عام 1926. ومن خلاله أراد طه حسين اعتمادا على عقلانيّة ديكارت، طرح الأسئلة حول العديد من القضايا المتّصلة بالتراث الجاهلي في مجال الشعر بالخصوص، مشكّكا في المسلّمات واليقينيّات، معيدا النّظر في كل ما كان يعتبر من الحقائق التي لا تقبل الشكّ، والدّحض والسّؤال قائلا: "أمّا أنا فلا أقدّس القدماء، وإنّما أنظر إليهم كما أنظر إليك، وإلى نفسي. وأعلم أنهم مثلي ومثلك يجدّون ويمزحون.. يحسنون ويسيئون". كان غرض طه حسين من كلّ ذلك، الثّورة ضدّ الجمود الفكري، وضدّ تقديس كلّ ما هو قديم في الثقافة العربيّة، وهو ما كان سائدا حتى ذلك الوقت. كما كان غرضه أيضا تحرير الفكر من القيود التي تمنعه من طرح الأسئلة، وزعزعة المسلّمات فاصلا بذلك الدين عن العلم فلا سلطان على العلم إلاّ العقل!

وكانت تلك الجرأة التي أظهرها طه حسين في كتابه المذكور اعتمادا على ما سمّاه بـ"التجديد العقلي" كافية لكي تشعل نار معركة حامية بينه وبين شيوخ الأزهر، والرجعيّين من رجالات الأدب والفكر. وبسرعة فائقة توالت الرّدود على كتاب "في الشعر الجاهلي" من خلال كتب ورسائل عديدة يمكن أن نذكر منها، "تحت راية القرآن" لمصطفى الصادق الرافعي و"الشّهاب الرّاصد" لمحمد لطفي جمعة، و"نقد الشعر الجاهلي" لمحمد فريد وجدي، و"نقض الشعر الجاهلي" للتونسي محمد الخضر حسين الذي كان آنذاك شيخا مدرّسا في جامع الأزهر.. وقد تضمّنت العديد من الردود اتّهامات لطه حسين بالكفر والإلحاد والمطالبة بمحاكمته، وحرق كتابه "المسيء للإسلام وللقرآن الكريم".

ورغم أن طه حسين سعى إلى إقناع خصومه والمناوئين له بأن شكّه بالشعر الجاهلي لا يعني شكّه بالدين، بل كتب إلى مدير الجامعة مؤكّدا له أنه "مسلم يؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، فإن المعركة ضدّه وضد كتابه ازدادت اشتعالا متسبّبة في أزمة سياسيّة. لذلك وجدت السّلطات نفسها مجبرة على منع الكتاب من التداول ليجد طه حسين نفسه معزولا ومجبرا على الاستقالة من الجامعة ليعيش فترة عصيبة وهو صامت على مضض.

مع ذلك، كان هناك من انتصر لكتاب "في الشعر الجاهلي" ولصاحبه. ويرى سامي الكيّالي أن النقطة الأساسيّة التي عالجها طه حسين في كتابه المذكور "ليست شكّه في أكثريّة الشعر الجاهلي، ولا تعرضه لتلك النقطة الدينيّة الحسّاسة التي أقامت الدنيا عليه – دنيا الرجعيّة المتزمّتة – بل هي التّمهيد للحريّة المطلقة لكي تشيع في البحوث الأدبيّة".

وللتحرّر من قيود الجامعة، توجّه طه حسين للكتابة في الصحف والمجلاّت مدافعا عن حريّة الفكر والرأي، وعن قيم التقدّم والرقي، راغبا في أن تتحرّر الأجيال الصّاعدة، وهي تقرأ مقالاته وتعليقاته، من الأفكار الرجعيّة، ومن التزمّت الديني، فمن دون ذلك لن تتمكّن مصر من الخروج من ظلمات الماضي لكي تكون لها المكانة اللاّئقة بها تحت سماء العصر الجديد. وفي تلك المقالات لم يكن طه حسين يكفّ عن المطالبة بإحياء الجوانب المشرقة في الثقافة العربية القديمة. وفي ذلك كتب يقول: "إنّ النهضة الأولى التي ظهرت في القرن الثاني عشر في أوروبا إنّما هي نتيجة اتّصال أوروبا بالعرب. فأدبنا هو الذي أحْيَا العقل الأوروبي حتى جاءت النهضة الثانية التي اتصل فيها الأدب الأوروبي بالأدب اليوناني القديم. فلو لم يكن للأدب العربي إلاّ أنه قد حمل لواء الأدب الإنساني، والعقل الإنساني في عشرة قرون لكان هذا كافيا للاعتراف بأن هذا الأدب من الآداب التي تعتزّ بنفسها، وتستطيع أن تثبت لصروف الزمن"...

كان طه حسين دائم السفر إلى أوروبا بصحبة زوجته خصوصا في عطل الصيف. وفي صيف عام 1937، كان على مرتفعات جبال "الألب"، وهناك، وهو أمام الطبيعة الساحرة، شرع يخطّط لتأليف كتاب جديد يتناول فيه بالبحث والتحليل قضيّة هامة للغاية طالما أرّقته. وهي تتّصل بمكانة مصر الثقافيّة والحضاريّة في الماضي والحاضر وفي المستقبل بالخصوص. ولم يكن ذلك الكتاب غير "مستقبل الثقافة في مصر"، والذي سيثير عند صدوره ضجّة هائلة تماما مثلما كان الحال بالنسبة إلى كتاب "في الشعر الجاهلي".

وكان عميد الأدب العربي يبتغي من كتابه المذكور تحقيق حلم من أحلامه الكبيرة، ويتمثّل هذا الحلم في بناء مصر جديدة وقد "أظلّها العلم والمعرفة، وشملت الثقافة أهلها جميعا، وشاعت فيها حياة جديدة، وأصبحت جنّة الله في أرضه حقّا يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزّة، وإنّما يفيضون على غيرهم منها".. لذلك سيكون كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" بمثابة تخطيط واضح المعالم لثورة تروبويّة، حضاريّة، وثقافيّة تمكّن مصر من أن تقطع مع عصور الظلمات والانحطاط لتحتلّ مكانة رفيعة في العصر الحديث.


حوار الحضارات


دأب طه حسين طوال مسيرته الفكريّة الفريدة على الدعوة الى الحوار بين الشعوب، وبين الحضارات والثقافات، وبين الأديان أيضا. وفي أحد المؤتمرات المخصّصة للعلاقة بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي، قال: "إن واجبنا يتجلّى في عقد روابط أخوّة بين العالم الإسلامي الذي أمثّله هنا… وبين العالم المسيحي، ومدّها إلى كلّ الناس. ذلك أنه لا وجود في نظر الله لشرق أو لغرب، ولا لجنوب وشمال، وإنّما العالم للناس جميعا. وعندما يمنح الله العدالة للناس، فإنه لا يمنحها للمسيحيّين فقط، ولا للمسلمين فقط، وإنما لجميع الناس". وحتى نهاية حياته، ظلّ طه حسين مخلصا للأفكار والمبادئ التي نذَرَ الجزء الأعظم من حياته للدفاع عنها، متحمّلا تبعات مواقفه الجريئة، وما جرّته عليه من محن، ومن مظالم. فكان "فولتير" العرب في القرن العشرين. وفي تراثه الفكري، نحن نجد ما يساعدنا راهنا، ونحن نخوض معارك ضارية ضدّ التزّمت والرجعيّة، والإرهاب الفكري والعقائدي على ما يعيننا على استعادة الأمل في تحقيق ما تطمح إليه الأجيال الصاعدة في مختلف المجتمعات العربيّة من تقدّم ورقيّ، ومن حريّة وكرامة.

8