عميد كلية أصول الدين بالأزهر لـ"العرب": داعش يجرنا إلى مربع التكفير

منذ أكثر من قرن ونصف القرن، أضحى الأزهر مؤسسة دينية عابرة للقطرية في العالم الإسلامي، مكونا بذلك مركزا لإشعاع ديني وسطي وعقلاني ومتوازن، فأصبح بذلك المؤسسة الأبرز التي تطرح عليها قضايا المسلمين في كل الحقب والأزمنة. ولعل الواقع الحالي المتميز بانتشار الجماعات التكفيرية والإرهاب والطائفية السياسية يطرح على الأزهر كمؤسسة دينية العديد من الأسئلة حول مدى وجاهة تكفير داعش والتجديد في الخطاب الديني ومقاومة الطائفية السياسية في المنطقة العربية وخاصة مصر. وقد حاول عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عبدالفتاح العواري الإجابة عن هذه المحاور في حواره مع “العرب”.
الاثنين 2015/12/28
مواطنة الأزهر

“كيف ننكر عليه حينما يكفرنا ويكفر المجتمعات ونحن نشارك في هذا الخطأ أيضا، فأن نكفر يعني أن نقع في براثن ما تكيله هذه الفئات الضالة من اتهام، فإذا ما قلنا لهم أنتم كفار، سيقولون لماذا تعيبون علينا ونحن نقول لكم أنكم مجتمعات كافرة، أنتم تكفروننا ونحن نكفركم، فيصبح نوعا من الدوران العبثي وكل فئة لا ترتضي فكر الأخرى ستكفرها”.

بهذه الإجابة بدأ عبدالفتاح العواري توضيح وجهة نظر الأزهر في عدم تكفيره لتنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية، وأكد العواري أن هناك نصوصا في القرآن تكيف جرم هؤلاء وتوضحه للمسلمين وتعطي فيه حكما شرعيا، مضيفا أن “حكم الله في داعش وأخواته من أصحاب الفكر المتطرف الذين يستخدمون العنف ضد المجتمعات هو البغي، والبغاة يجب مقاتلتهم حتى ينتهوا من الوجود”، وأكد العواري أن هؤلاء يحاربون الله ورسوله وهم مفسدون في الأرض “إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم”.

وبذلك وجد العواري ما قال عنه “الحكم الشرعي في هؤلاء الإرهابيين دون السقوط في فخ التكفير الذي نصبوه للمسلمين بقصد خبيث”، وأشار إلى أن الجماعات التكفيرية تبحث عن مشروعية لتكفيرها للناس “ولن يسقط الأزهر في هذا الفخ”.

الفقر والتهميش وغياب الدولة أسباب تدفع العديد من الشباب لأن يصبحوا متطرفين لأن الإرهاب يدفع بسخاء

وفي سياق دور الأزهر في النهوض بالمجال الديني وفق المقاربة الوسطية التي يعتمدها، دافع عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عن “دور الأزهر التاريخي في تجديد الخطاب والفكر الدينيين”، مؤكدا أن الأزهر يواكب كل التحولات في العالم المعاصر ويجاريها “انطلاقا من أصول الإسلام وثوابته لتكييف أحكامه مع الواقع”.

ولفت العواري إلى أن “كلمة تجديد الخطاب الديني كلمة مطاطة تلوكها الألسنة دون فهم أو إدراك لدلالاتها”، وقال “التجديد في الإسلام سنة واقعية منذ أن أنزل الله القرآن ولا يزال التجديد قائما إلى اليوم وإلى قيام الساعة وهنا أقصد منهج الأزهر في التعامل مع هذا الباب”.

وأكد العواري أن شيخ الأزهر منذ أن كان رئيسا لجامعة الأزهر 2003 “كانت أولى اهتماماته هي النظر في المناهج التي تدرس في الجامعة، فشكل لجانا على مستوى التخصصات وقال اعملوا النظر في هذه المناهج التي مضت عليها سنوات حتى تتواءم مع العصر الذي نعيش فيه، مع الحفاظ على الثوابت، أي الانطلاق من الثوابت والأصول نحو معالجة قضايا فقهية وفكرية معاصرة، فعملت هذه اللجان على تنقية مناهج الجامعة في مرحلتي الإجازة العالية والدراسات العليا، والتخصص في الماجستير والدكتوراه، وخرجت مناهج جديدة، وعندما تولى فضيلته مشيخة الأزهر دق الناقوس بنفسه ووجه تركيزه إلى المعاهد الأزهرية بمرحلتيها الإعدادية والثانوية، فشكل لجانا للنظر في مناهج المرحلتين”.

عبدالفتاح العواري: الأزهر لا تهمه طائفة أو مذهب بقدر ما يهمه منع التوظيف السياسي للدين

وأضاف العميد أن المرتكز العملي الرئيسي في الرؤية للمناهج الدينية الجديدة هو “الانتماء للوطن الذي يسمو فوق أديان وطوائف ومذاهب المواطنين، والوطنية هي العقيدة الرئيسية التي يجب أن تغرس في الطلبة عبر النافذة الدينية”.

وقد كانت مسألة النظر في دور الأزهر في تطوير النظرة المجتمعية للدين عبر جهوده في التجديد مدخلا لعبدالفتاح العواري ليوضح موقف الأزهر من انتشار التشيع في مصر وسائر المنطقة العربية، وأكد لـ”العرب” أن الأزهر لا يهمه مذهب أو طائفة أو حتى ديانة المواطن، بل إن المسألة تتعلق بأمن وسلامة الوطن من أسباب الفتنة والاقتتال والتوظيف السياسي للدين وفق طائفية مسقطة ومرتبطة بمصالح إقليمية لا تبحث عن الاستقرار.

وأكد العميد العواري أن “فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب صرح أكثر من مرة بأنه لن يسمح بالتشيع في مصر، لأن الهدف ليس مذهبيا، فالمذهب لا شأن لنا به، والأزهر يدرّس جميع الأيديولوجيات والملل والنحل، إنما القضية أن هؤلاء يريدون إيجاد أرضية وقاعدة لهم وبعدها ينقضون على مصر كما انقضوا على العراق وسوريا، وهذا هو الهدف من وجود التشيع في مصر، فالأمر ليس تدينا، إنما لتحقيق غرض سياسي، طالت بهم الآمال والسنوات ولم يستطيعوا تحقيقه حتى في عهد الدولة الفاطمية ولن يستطيعوا، لأن الوتر الذي يلعبون عليه وهو حب آل البيت، ونحن المصريون السنة نعتبر حبهم إيمانا، فهم لا يزايدون علينا في هذا الأمر”.

وفي إشارة إلى تسرب الأفكار التكفيرية وانتشار الخلايا الإرهابية في مصر، أكد العميد عبدالفتاح العواري أن “الفقر والتهميش وغياب الدولة في توفير أسباب العيش الكريم في العديد من القطاعات تدفع فئة واسعة من الشباب إلى الاستسلام لهذه التيارات نظرا لتوفيرها أموالا طائلة”، مشيرا إلى أن الإحاطة الجيدة اقتصاديا واجتماعيا للشباب تعد العضد المتين مع المكافحة الأمنية للإرهاب.

13