عناد الشباب سلاح لتقدم الحضارات

الخميس 2017/06/01

لا أحب الأمهات اللاتي يجعلن من تزويج بناتهن حرفة وشغلا ينفقن فيه الوقت والجهد والمال والحيل، فيصطحبنهن أينما ذهبن ويلففن بهن في كل مكان عارضات سلعتهن على الراغبين. طالما اعتقدت أن هذا سلوك مشين لا يصدر عن أم تحترم نفسها وبناتها. فالبنات لسن سلعة أو “أغناما” ولا يجب على الأمهات التعامل وفق هذا المنطق المهين.

منذ أيام كنت في محل جارنا العربي، وكان المحل فارغا إلا من امرأة وابنتها الشابة. الأم منشغلة بالنظر إلى بضاعة ما، أما الفتاة فتتمشى في المحل ذهابا وإيابا عارضة مفاتنها في فستان جميل، وباذلة أقصى ما لديها من وسائل الإقناع والإيقاع.

وقفت لأدفع الحساب وأنا مندهشة، فالمشهد مقزز ومثير للشفقة، ليس من قبلي فقط لكن أيضا من قبل الجار المستهدف الذي غمزني وهو يهمس “هذا لا شيء، يحدث أكثر منه بكثير”.

لاحقا أخبرني جاري بأن الأم وابنتها تأتيان تقريبا كل يوم إلى المحل، وتقفان بالدقائق في تصفح البضائع أو الحديث معه، وأن الفتاة متعلمة وتشتغل ولا ينقصها شيء لإيجاد عريس، لكن الأم على ما يبدو لا تريد أن تنتظر. ووفق روايته، فإن الأم تكون في مثل هذه الحالة تحت ضغط كبير من قبل الأب الذي يبدأ في التململ بمجرد أن تبلغ الفتاة سنّا معينة، مرسلا إشارات وتلميحات إلى الأم مفادها أن تزويج بناتها شأن يخصها وحدها ومسؤوليتها الكبرى التي عليها أن تتقنها تماما كما تتقن الطبخ والتنظيف والاعتناء بالأبناء. بعد قليل يتحول التململ إلى تصريحات واضحة، وحديث ليلي مشحون، فإذا بلغت البنت سن 25 مثلا تحول الأمر إلى توبيخ ولوم للأم على “خيبتها” في تزويج ابنتها، وقد يصل حد المقاطعة والغضب والتشكي.

يحدث هذا في أوروبا أيضا في القرن الحادي والعشرين ولفتيات كبرن وتربين في ثقافة غربية، أما لماذا وكيف؟ فهذا ما يدعو للحيرة فعلا!

إذا سلمنا بأن الأمهات موضوعات تحت ضغط الأب الذي يحركه العامل الاقتصادي وضغوط المجتمع الأخلاقية، فلماذا تقبل الفتاة بأن تكون “بضاعة” تلف بها أمها من محل إلى آخر عارضة مفاتنها على من يشتري؟

ظواهر كثيرة مازلت لا أفهم لماذا تستمر معنا إلى اليوم، تنتقص منا كبشر وتسيء إلينا وإلى كرامتنا التي أصبحت مكفولة بالقوانين والحقوق والحريات. مجتمعاتنا قاسية، نعم. الضغوط شديدة، مؤكد. الحياة صعبة، ونظرة الناس لا ترحم، أستطيع أن أفهم ذلك، لكن ماذا عن إرادة الشباب وإصراره وحرصه على التغيير؟ الشباب الذي تربى وتعلم وتلقى مفاهيم مختلفة عمّا تربى عليه آباؤه. الشباب الذي نشأ على الانفتاح والحرية واتخاذ القرار، أين هي إرادته؟ وأي سلطة هذه القادرة على محو كل ما تعلمه؟ أي ماكينة هذه التي تطحن إرادته وتهرس عناده في طريقها بلا رحمة وتقتل الأمل الذي يولده كل جيل جديد؟

إذا لم تأت الأجيال بما هو جديد، وتقف حجر عثرة في وجه التقاليد البالية والممارسات النابعة من الخوف وقلة الحيلة والجهل، فماذا يرتجى منها بعد ذلك؟

إذا لم تقلب الأجيال السائد وتهز النائم وتقتلع الراكد وتحدث التغيير الذي تستوجبه صيرورة الزمن وتقدم البشر إلى الأمام، فما فائدتها؟

الشباب ثورة، هكذا علمونا، ثورة على البائد والمتخلف، وعلى قوانين وأعراف الأجيال التي سبقته. ألم تقل الكاتبة الأميركية الشهيرة هيلين كيلير “لا يمكن للحضارة أن تتراجع بينما يوجد شباب، لأن عناد الشباب هو ما يتقدم بالحضارات”.

عناد الشباب سلاح ومقوم أساسي من أجل التقدم للأمام، فلا تسلبوهم عنادهم وتحولوهم إلى دواب.

كاتبة تونسية مقيمة في هولندا

21