عناصر صناعة الإرهاب: تأويل مغلوط للإسلام وعولمة متوحشة

تكونت ظاهرة الإسلام السياسي في الوطن العربي بداية القرن العشرين مبنية على استنتاجات مغلوطة لحاجيات الواقع، فتأسست الأحزاب الإسلامية والجماعات الإرهابية المنبثقة عنها كي لا تكتفي بالتسبب في تخلف المواطن العربي، وإنما لتخلق أيضا التباسا عالميا حول مسؤولية كل من الحضارة العربية والحضارة الغربية عن الإرهاب، فالتأويل الضيق للدين له يد في تأجيج الإرهاب تماما كدور الاستعمار والعولمة في ذلك.
الاثنين 2016/03/07
ما بعد الحداثة

موقفان شائعان في التعامل العربي والإسلامي مع الظاهرة الإرهابية التي تستهدف الغرب تحت عناوين إسلامية، الأول سلبي يطالب الآخر الغربي بتغيير سياسته تجاه الشرق الأوسط لتجنب الإرهاب الذي يستهدفه، مع ما يتصل بهذه المطالبة من تبرير مبطن للإرهاب.

والثاني عدمي يرى أن التخلص من تهمة الإرهاب اللاحقة بالمسلمين يكون عبر القطيعة الراديكالية النهائية مع الإسلام، مع ما يستبطنه هذا الموقف من دوافع أيديولوجية وما يفرزه من تزكية ضمنية للبيئة العربية المعاصرة وسياقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يقلل، خلافاً للواقع والمنطق والموضوعية العلمية، من شأن وحجم دور هذه البيئة وظروفها في صناعة مناخات مساعدة على التطرف والعنف.

في الحالة الأولى نحن نلقي المسؤولية على الآخر الغربي وحده دون أنفسنا على الرغم من أن الذات الإسلامية جزء من الصراع العالمي ولها أفعالها وردود أفعالها فيه. وفي الحالة الثانية نلقي المسؤولية على تعاليم الإسلام كدين مجرد بحدِّه وماهيته مفصولا عن خيارات معتنقيه والسياقات التي ينشطون فيها.

وما المسلكان إلا تعبير عن محاولة واحدة لتبرئة الذات. فكلا الموقفين يجسّد الكسل الفكري والخمول المعرفي والهروب من تحمل المسؤولية ومن الواقع الماثل إما مكانيا، إلى المجال الغربي، لمطالبة الغربيين بتعديل سياستهم تجنبا لعنف تنتجه أمكنة ومجالات إسلامية، أو زمانيا إلى التاريخ، لإدانة الإسلام ومحاكمة المسلمين الأوائل على أفعال يرتكبها مسلمون معاصرون. وكل ذلك يحدث والمتسبب الرئيسي فيه هو الإسلام السياسي دون منازع.

وكلا النهجين يُمثِّل السعي للتنصل من إدانة الذات ومحاسبتها، فالذي يفترض أن يراجَع هو سلوكنا الفكري ومنظومتنا القِيَميَّة والثقافية ورؤانا الاجتماعية والاقتصادية، كمتغيِّر حضاري مستقل، قبل السياسة الغربية والدولية، كمتغيِّر سياسي تابع، في منطقتنا. فالذي يجدر به أن يُساءل ويُحاكم هو “تطبيقات” الإسلام المتداولة في القرن الحادي والعشرين وفي سياقه، لا النص الديني أو التطبيق الإسلامي الأول الذي أُنتِجَ في القرن السابع الميلادي وفي سياقه.

وبالتأكيد حين تُحاول أن ترُدَّ على أيٍّ من النموذجين المذكورين في التعامل مع الظاهرة الإرهابية فسيتم وصمك واتهامك إمَّا بالانحياز للغرب، وربما تكفيرك دينيا والحكم بردِّتك عقائديا في الحالة الأولى، أو يتم اتهامك بـ”الظلامية الإسلامية”، وتكفيرك “علمانيا” وإقصاؤك مدنيا في الحالة الثانية.

ثمَّة سياق ينبغي عدم تجاهله. والسياق منظومة مركّبة من الجذور والخلفيات والحيثيات والظروف والمَجريات والأطر والسرديات، وفي ظل الظرف الذي يعيشه العالم اليوم وما يواجهه من تحديات التطرف العنيف؛ فإن كلا من سياسات الدول والجماعات من جهة، وتأويلات النصوص الدينية الإسلامية من جهة ثانية، يتبلوران ويتفاعلان في “سياق صراعي” معين، معقد ومتشابك، ومُتسع وممتد، سياسي وأمني واجتماعي واقتصادي وسلطوي وأيديولوجي ونفسي وثقافي وجغرافي وتاريخي. وهذا السياق ليس ساكنا أو راكداً وإنما ديناميكي وتفاعلي، يؤثِّر ويتأثَّر، ويأخذ ويعطي، فالسياسة والدين ليسا مُعلَّقَين في الفراغ أو سابِحَين في الفضاء وإنما يشتغلان ويُفهمان في سياق “السياق”.

13