عناق أبدي بين المسجد والكنيسة في دير سانت كاترين المصري

يقدم دير سانت كاترين النموذج والمثال على التعايش بين الأديان السماوية الثلاثة منذ القديم، ويعد اليوم أفضل رسالة إلى معتنقي الإسلام والمسيحية واليهودية بإمكانية التواصل في كنف السلم والمحبة، لأن هذه الأديان أساسها المحبة بين بني البشر.
السبت 2016/02/13
قمة الصفاء الروحي

سيناء (مصر) - دير سانت كاترين الذي يقع في مدينة تحمل اسمه بقلب محافظة جنوب سيناء، يمثل حالة نادرة من التداخل بين القداسة المستمدة من قيمته الدينية لمسيحيي العالم والمتعة التي تعكس كونه معلما سياحيا بالغ الجاذبية لمحبي الطبيعة، ويشكل لوحة رائعة بزائريه من مختلفي الديانات، كل منهم يصلي في اتجاه مختلف بطريقته الخاصة.

الطريق إلى الدير يمر عبر سلسلة من الجبال داكنة الألوان تتنوع بين النحاسي والرمادي والأسود، يعكس كل منها ما تحويه من معادن، تنتشر وسطها واحات كثيرة أشهرها “واحة فيران”، وهي غابة كبيرة من النخيل فيها صوامع وينابيع عذبة، فضلا عن أشجار المن الذي يجمع منه البدو مادة صمغية حلوة المذاق.

وتكتسب الواحة أهميتها من مرور سيدنا موسى (عليه السلام) وقومه بها أثناء خروجهم من مصر. وعلى بعد 120 كيلومترا تقريبا من الواحة، تظهر مباني الدير في سفح جبل موسى الذي تلقى على قمته نبي الله الوصايا العشر، وهي محاطة بالأشجار الكثيفة يجاورها قبر هارون شقيق موسى، وإلى الغرب منه يوجد وادي الراحة الخاص بالأنبياء.

تسمية الدير جاءت كما قال الأنبا ديمتريوس داميانوس مطران سيناء ورئيس الدير لـ”العرب”، نسبة إلى كاترين “شهيدة المسيح” التي ولدت في القرن الثالث الميلادي في مدينة الإسكندرية.

واعتنقت كاترين المسيحية في ظل حكم وثني كان يقدم أجساد المسيحيين قرابين للآلهة الوثنية، ومن أجل أن يردها الإمبراطور عن المسيحية أصدر أوامره إلى أربعين حكيما من حكماء عصره ليناقشوها لدحض براهينها، لكن النتائج جاءت عكسية، حيث انضم هؤلاء الحكماء إلى المسيحية.

ولم يكن أمام الحاكم مكسيميانوس سوى تعذيبها، فأمر بأن تصنع عجلات تبرز منها مسامير ورؤوس سكاكين مدببة ليمررونها فوق جسدها، لكن هذا لم يؤثر على تمسكها بإيمانها، الأمر الذي دفع أحد جنود الإمبراطور إلى قطع رأسها وكان ذلك عام 307م.

الدير سانت كاترين يغلق أبوابه يوم الجمعة ليتمكن المسلمون العاملون فيه من أداء صلاتهم

وبحسب الروايات الشائعة، أشار أحد رهبان الدير لـ”العرب” إلى ظهور جثمان القديسة كاترين في القرن التاسع الميلادي بعد مضي 6 قرون على استشهادها، وأن “الملائكة حملوا بقايا جثمانها من الإسكندرية ليضعوه فوق قمة جبل طور سيناء قرب الدير”.

وأضاف الراهب “القديسة تراءت لأحد قساوسة ذلك الزمان في منامه ودلته على مكانها، فصعد الرهبان في الصباح إلى المكان المشار إليه ووجدوا رفات كاترين متمثلة في الجمجمة وكف يدها اليسرى، فنقلوها إلى مذبح الكنيسة الرئيسية بالدير ومنذ ذلك العهد أطلق عليه سانت كاترين”.

وقيل إن الرهبان وضعوا جمجمة القديسة بعد ذلك في صندوق من المرمر أعد عام 1231، وفوقه تاج من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة، أما الكف اليسرى التي زيّنت بالخواتم الذهبية والفصوص الثمينة، تم وضعها في صندوق من الفضة الخالصة أهداه قياصرة روسيا للدير عام 1688.

ويشبه الدير الذي يتبع هيئة الآثار المصرية حصون القرون الوسطى، حيث تحيط به أسوار عالية صنعت من أحجار الغرانيت، بداخلها عدة أبنية داخلية يصل ارتفاع بعضها إلى 4 طوابق تربط بينها ممرات ودهاليز معرجة، والمدخل الوحيد للدير عبارة عن باب صغير على ارتفاع 10 أمتار، صمم لحمايته من الغرباء والدخلاء.

ويقوم على الشعائر الدينية رهبان من أصول يونانية ينتمون إلى الكنيسة الأرثوذكسية هناك ولا يتكلمون اللغة العربية، ويفتح الدير أبوابه للزوار منذ الصباح الباكر وحتى الظهر فقط، حيث يعكف الرهبان على أداء صلواتهم بعد ذلك، أما يوم الجمعة فيغلق أبوابه قبل صلاة الجمعة ليتمكن المسلمون العاملون بالدير من أداء الصلاة.

وأول ما يخطف انتباهك لدى ولوجك الدير رنين أجراسه التي تقرع يدويا، مثلما كان يحدث منذ قرون، وتقع عينك على الملايين من الأوراق الصغيرة المطوية موضوعة في شقوق الجدران والأشجار. وهو ما قال عنه أحد رهبان الدير لـ”العرب” إنها أمنيات كتبها الزائرون على الورق ووضعوها في الشقوق أملا في أن تتحقق مطالبهم ببركة المكان المقدس.

مكتبة تضم الآلاف من المخطوطات الأثرية بلغات متعددة

ويحتوي الدير على كنيسة يطلق عليها “العليقة المقدسة”، طبقا للعديد من المصادر التاريخية، وقد تم إنشاؤها للسيدة العذراء بأمر من الإمبراطورة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين عام 332م، وعند بناء الإمبراطور جستنيان (527-532م) لدير “طور سيناء” أدخلها ضمن الكنيسة الكبرى التي أطلق عليها “كنيسة التجلي”.

وتنخفض أرضية كنيسة “العليقة” 70 سنتمترا عن أرضية كنيسة “التجلي”، ولا يدخلها أحد إلا بعد أن يخلع نعليه خارج بابها أسوة بنبي الله موسى عليه السلام عند اقترابه من العليقة.

وتوجد بوسط الكنيسة قبة مستديرة السقف وجوانبها محلاة بالفسيفساء، وهي أهم ما في الدير، حيث أنها من أشهر فسيفساء المسيحية في العالم كله، لأنها تمثل مناظر من العهدين القديم والجديد.

والمنظر الرئيسي فيها يمثل السيد المسيح وعلى يمينه السيدة العذراء وعلى يساره النبي موسى، بينما القديس بطرس مستلقيا عند قدميه وعلى الجدار منظران، يمثل أحدهما سيدنا موسى يتلقى الشريعة فوق جبال سيناء، والثاني يصوره وهو راكع أمام الشجرة، وامتدت إليه من فوق لهيبها يد الله مشيرة إليه.

وتحت سقف القبة والفسيفساء، يوجد التابوت الذي وضعت بداخله رفات القديسة كاترين، وفي الناحية الأخرى صندوقان كبيران من الفضة على كل منهما صورة القديسة وبداخلهما هدايا ثمينة أهداها الملوك والأغنياء إلى الدير.

توني كازامياس مستشار رئيس الدير قال لـ”العرب”، إن الاثني عشر عمودا الموجودين على جانبي الكنيسة كل منهم خاص بشهر معين، وتحمل الأيقونات التي تعلو الأعمدة رفات مجموعة من القديسين استشهدوا في هذا الشهر.

أما النافذة الموجودة بالكنيسة، فأوضح كازامياس أن الشمس تدخلها مرة واحدة كل عام، وتحديدا في 23 مارس، الذي يقال إنه اليوم الذي كلم فيه سيدنا موسى رب العالمين.

أما أقدس مكان في الكنيسة فهو هيكل الشجرة المكان الذي يعتقد أن النبي موسى وقف فيه عندما تجلى الله عز وجل له وخاطبه. وأكد خبراء الآثار على قدسية الشجرة التي لا يوجد لها مثيل في أي مكان آخر، وهي شجرة غريبة ليست لها ثمار خضراء طوال العام، وفشلت كل المحاولات في إعادة إنباتها بأي مكان في العالم.

كما أن البئر المجاور للشجرة المقدسة مقدس أيضا، فقد شرب منه سيدنا موسى وعمقه يصل إلى 20 مترا وترتفع فيه المياه لمسافة مترين فقط.

ويمثل دير سانت كاترين رمزا هاما من رموز التآخي بين المسلمين والمسيحيين عبر المسجد المقام بداخله، والذي تم بناؤه في عهد الخلافة الفاطمية في الجزء الشمالي الغربي من الدير ويواجه الكنيسة الرئيسية، حيث تتعانق مئذنته مع برج الكنيسة.

ويوجد كرسي شمعدان من الخشب داخل الجامع عليه نص كتابي يحمل اسم منشئ الجامع وهو أبوعلي منصور نسبة إلى الخليفة الآمر بأحكام الله الذي أمر ببناء هذا الجامع وثلاثة جوامع أخرى أحدها فوق جبل موسى والآخران بوادي فيران كشفت عنها الحفائر بسيناء.

ويحتوي الدير أيضا على مكتبة، أوضح مطران سيناء أنها تماثل مكتبة الفاتيكان في أهميتها، وتضم الآلاف من المخطوطات الأثرية باللغات العربية واليونانية والسيريانية ويبلغ عدد المخطوطات ما يقرب من أربعة آلاف مخطوط نادر بعضها مكتوب على الجلود.

وتضم المكتبة إلى جانب المخطوطات النادرة عددا من الوثائق والفرمانات التي أعطاها الخلفاء والحكام للدير، أشهرها وثيقة “العهدة النبوية” من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأعطي فيها الأمان للدير والرهبان، والوثيقة على نحو ما يعتقد أنه وقعها الصحابي عمر بن الخطاب.

20