عن"المنزل الذي بناه جاك"

فيلم مصاغ في قالب خارج الواقع وأقرب للكوميديا، يعكس الجنون الذي يعبر عن رؤية الفنان للعالم في الوقت الراهن.
الجمعة 2018/06/08
أزعج النقاد والجمهور

أتفهم كثيرا أن يغادر نحو مئة شخص من ضيوف مهرجان كان السينمائي العرض المسائي الأول لفيلم “المنزل الذي بناه جاك” للمخرج الدنماركي الشهير لارس فون تريير. وأن يغادر عدد مماثل من النقاد والصحافيين العرض الصحافي للفيلم صباح
اليوم التالي، فهناك دائما من يغادرون الأفلام أثناء عرضها، ومن يبقون ويصفقون بحرارة في النهاية كما حدث في العرض الرسمي للفيلم.

فون تريير معروف بأفلامه الصادمة، شخصيا لم يعجبني فيلمه “نقيض المسيح” الذي وجدته عملا فيه الكثير من الاصطناع، تماما مثل فيلمه “مهووسة جنسيا” الذي لم أجده معبرا عن ذات الفنان الذي أخرج قبل 22 عاما تحفته الأثيرة “تكسير الأمواج” دون أن يتجاوزها قط.

ورغم التحفظات، إلاّ أنني أعتبر فون تريير مبدعا سينمائيا كبيرا، يتمتع بالجرأة، يبحث في المناطق الصعبة من النفس البشرية، ويعرف كيف يسيطر على مادته البصرية والدرامية وأن يستولي على مشاعرك ويتلاعب بها كيفما شاء.

المخرج الدنماركي لارس فون تريير معروف بأفلامه الصادمة
المخرج الدنماركي لارس فون تريير معروف بأفلامه الصادمة

وقد أعجبني فيلمه “ميلانكوليا” (2011) وشعرت أنه ربما لم ينل ما كان يستحقه ربما بسبب تصريحات مخرجه التي أزعجت إدارة مهرجان كان، ومنع على إثرها من المشاركة، لكنه عاد مؤخرا لكي يوجه انتقامه الشخصي من الجميع: المهرجان والسينمائيون والجمهور، ويلقي في وجوههم بكل ما يملك من جموح في تعبيره عن العنف، عما بلغه الإنسان -الأميركي أو الأوروبي- من تطرف وميل للعنف، كما لو كان مدفوعا بقوة شريرة في أعماقه نحو تدمير نفسه، وهذا هو المغزى الأساسي لفيلمه الجديد الذي أثار غضب الكثيرين عن “السفاح” الذي يتفنن في قتل ضحاياه.

صحيح أن في الفيلم مشاهد صادمة، لكنني لا أجدها أكثر عنفا ممّا شاهدناه في أفلام أخرى مثل “الوجه ذو الندبة”، حيث يقوم شخص بقطع رقبة غريمه باستخدام منشار كهربائي، أو “البرتقالة الآلية” تحفة ستانلي كوبريك أو “العائد” لتارانتينو.

أيا كان الأمر فقد صدمني أكثر أن يكتب الناقد الأميركي روجر فريدمان بعد أن غادر الفيلم قبل انتهاء عرضه “غادرت فيلم فون تريير، هذا فيلم قذر لم يكن يجب أن يصنع من الأصل، الممثلون مذنبون”، أو أن يصفه ناقد “الغارديان” زان بروكس، بأنه “مثير للغثيان”.

فالفيلم من الناحية الفنية يعتبر “أوبرا للدمار الإنساني”، صحيح أنه يمتلئ بمشاهد القتل وقطع الأثداء والأطراف والتمثيل بالجثث.. إلخ، لكنه مصاغ في قالب (خارج الواقع) وأقرب للكوميديا، يسبح في فضاء اللامعقول، ويعكس الجنون الذي يعبر عن رؤية الفنان للعالم في الوقت الراهن، وهو أيضا أفضل كثيرا من حيث البناء وانضباط الإيقاع وتقديم الشخصية في تطورها، من “راقصة في الظلام” (2000) للمخرج نفسه الذي كتب عنه ناقد “الأوبزرفر” الراحل الكبير فيليب فرنش، قائلا “عندما نزلت العناوين النهائية لفيلم ‘راقصة في الظلام’ في مهرجان كان، تصورت في البداية أن صيحات الاستحسان والتصفيق لهذا الفيلم الموسيقي الاسكندنافي الذي صور في السويد والدنمارك باللغة الإنكليزية، ليست إلاّ على سبيل السخرية”.

ويضيف “فكيف يمكن أن يعجب أحد أو يتأثر بهذا الفيلم التافه الممل العقيم؟ وقد ذهلت عندما حصل مخرجه ومؤلفه (الذي أعجبني الكثير من أفلامه السابقة) على السعفة الذهبية وحصلت بطلته بورك على جائزة أحسن ممثلة، وعندما قرأت أن جهاز العرض السينمائي تعطل أو انقطع التيار الكهربائي أثناء عرض الفيلم بمهرجان إدنبره السينمائي، قلت لنفسي: نعم.. ربما كان الله في السماء أو عامل الكهرباء في الأرض، يقول كفانا هذا العبث!”.

16