عنترة العبسي كان شاعرا متسرّعا

من أهم مصادر حيوية عالم القصيدة، هو الانفتاح على الآخر، فجميع الثقافات الحيوية الفاعلة والنشيطة هي المنفتحة.
السبت 2019/10/05
الشعر انفتاح وليس انغلاقا (لوحة للفنانة ريم ياسوف)

قلت في أحد الحوارات الصحافية: كنت باستمرار ولا أزال أتابع حواري مع القصيدة، وبعد أعوام من نشر هذا القول، ألتقي شاعرا صديقا، ويدور بيننا حوار عن القصيدة ومقوماتها وتحولاتها، ويسألني مستحضرا القول سالف الذكر، هل حوارك مع القصيدة ما زال قائما؟

قلت: نعمْ

ما زال حواري مع القصيدة مستمرا ولم ينقطع أو يتوقف، فكلما عرفت جديدا، مما لم أكن أعرفه عنها من قبل، بحثت في فضائها الواسع عما هو جديد، وما لم أكن قد أدركته في حوارات سابقة معها.

يا للقصيدة من عالم شاسع، يقترن فيه الغموض بالجمال والفكر بجديد الأسئلة، وإذ وصل العلم في اقترانه بالتجربة الإنسانية، إلى نهايات كثيرة من فضاءات الحياة، وانتهى إلى معرفة أدق أسرارها، ما زالت القصيدة وهي تواصل تجلياتها الإبداعية، تتكتم على الكثير من أسرارها، وما زالت شهرزاد القصيدة تواصل حكاياتها التي يبدو أن لا نهاية لها، ما دام للشعر وللشعراء في كل عصر أكثر من شهرزاد، ولكل شهرزاد أكثر من ألف حكاية وحكاية.

لذلك فإن الشاعر الذي لم يتوقف، كما يتوقف شعراء آخرون عند حدود الشعر المتاحة والمرئية والمدركة، لا بد أن يظل يواصل البحث عما لم يصل إليه من قبل، ولم يصل إليه من سبقه من الشعراء، ويبقى في حوار لا ينتهي مع القصيدة، وأجد نفسي دائما بين الشعراء الذين يواصلون حوارهم هذا.

لقد كتبت يوما ما معناه، إن عنترة العبسي كان متعجلا وقليل صبر، إنْ لم أقل قليل طموح، حين تساءل: هل غادر الشعراء من متردّم؟ وبالمناسبة أنا ممن أحبوا شعر عنترة.

ومما يسوغ هذا الذي كتبته، ما نراه بعد خمسة عشر قرنا، من قول عنترة هذا، وما زال الشعراء يواصلون البحث عما غادره من سبقهم، فيكتشفون ويجددون ويضيفون إلى القصيدة ما يجعل منها استمرارا لما سبقها وإضافة وتفردا في آن واحد.

وفي كل مرحلة من مراحل تجدد القصيدة، يتشبث بعضهم بالجديد المرحلي ويعده المثال الذي لا ينبغي تجاوزه، بينما يواصل بعض آخر محاولاته في التجديد والاكتشاف والإضافة.

إن مواصلة الحوار، هو حوار مع كائن حي، حيث تكون القصيدة أشبه بامرأة مزهوة بمفاتنها، لكن هذه المفاتن ستكون طارئة وباردة، إن لم تتوحد بشمائل متميزة، وبهذا الحوار يكون اكتشاف شمائل القصيدة، ومن ثم اقترانها بمفاتنها، وبهذا الاقتران تكون القصيدة الاستثنائية، كما هي المرأة الاستثنائية.

ومن أهم مصادر حيوية عالم القصيدة، هو الانفتاح على الآخر، فجميع الثقافات الحيوية الفاعلة والنشيطة، هي التي يكون انفتاحها على الآخر مصدرا للإضافة والتجديد، أما الثقافات الضعيفة الخائفة فهي التي تخضع لمصادر التلقي، والفرق كبير بين الانفتاح والخضوع، أو أنها تختار العزلة والجمود.

إن أخطر حالات الجمود الثقافي، هي التي تحتمي فيها ثقافة ما بأصوليتها، سواء كانت هذه الأصولية ماضوية، أم كانت نتيجة انبهار بالآخر والخوف من الحوار معه والذهاب إلى حيث تقليده والنقل عنه، وفي الحالتين يتوقف الزمن عند هؤلاء وأولئك، ومع توقف الزمن يضمر الوعي ويفقد حيويته وقدرته على الاكتشاف والإضافة.

وفي القصيدة كما في سواها من حالات الإبداع، يكون الانفتاح على الآخر من خلال الحوار، هو السبيل إلى حيوية الحضور والتأثير، وإلا انتهت إلى العزلة والضمور والتهميش، ولم يعرف التاريخ الإنساني ثقافة فاعلة إلا وكانت منفتحة على الثقافات الأخرى مستفيدة منها، فتغتني وتتحرر من الجمود والأحادية.

إن القصيدة ليست مجرد نص بخصائص محددة، بل هي فعل ثقافي حيوي، لذا نجدها في متغيراتها، فكريا وجماليا، تسبق المتغيرات الكبرى وتبشر بها أو ترافقها، فيالها من عالم شاسع وحيوي.

إن جديد الشاعر علي محمود طه مثلا، على أهميته، لم يؤثر على حضور أحمد شوقي الشعري ولم يضع حدا فاصلا بينهما على صعيد القراءة والإعجاب والنقد والدرس الأكاديمي، وإن موجة الشعر الحر – قصيدة التفعيلة – في خمسينات القرن الماضي، وهي موجة شعرية عالية، وبخاصة على صعيد القراءات النقدية، لم تؤثر على حضور قصيدة الشطرين، ممثلة بأصواتها الموهوبة، وعلى سبيل المثال، أذكر من تلك الأصوات، بشارة الخوري وإلياس أبوشبكة وعمر أبوريشة وسليمان العيسى وغيرهم.

كما أن ظهور الموجة الصاخبة، كما وصفها الشاعر سامي مهدي، ممثلة في جيل الستينات الشعري، وهي صاخبة فعلا، غير أنها لم تمس الحضور الطاغي لجيل الرواد، واستمرا في تعايش حيوي، في النشر والحضور والقراءات النقدية، بل إن هذا التعايش الحيوي امتد أحيانا إلى كثير من رموز المدرسة الرومانسية والكلاسيكية الجديدة في الشعر العربي.

وفي هذه المرحلة تحديدا، حيث الحضور الطاغي لقصيدة النثر، على صعيد الكم دائما، وعلى صعيد النوع أحيانا، لا نتجاوز الواقع حين نقول إن التعصب يظهر عند طرفي الحالة الشعرية، وأقصد قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، بل أجد في هذا التعصب المتبادل، ما يذهب أو لأقل من يذهب فيه إلى حد الإقصاء والمحو. -لكن التعصب في جميع حالات حضوره لا يؤثر على الواقع الموضوعي، سواء في المتغيرات أم في التواصل والتعايش والتكامل، وهذا ما يدرك في منابر النشر وقراءات النقد ومهرجانات الشعر، وهو الذي يعلمنا أن نكون بعيدين عن فكر ومواقف المحو والإقصاء.

14