عندما أختلي بنفسي أكون في حالة اختلاء مع الله

الأحد 2014/05/04

تعرفت على لويس هاي من خلال كتابها “تستطيع أن تشفي حياتك”، “you can heal your life” في 2012، ثم تعرفت عليها مرة أخرى عندما أهدتني صديقة كتابا آخر لها “اشفِ جسدك”“Heal your body”.

لويس هاي معلمة ومحاضرة في ما وراء الطبيعة، وقد احتلت كتبها المراكز الأولى في الكتب الأكثر مبيعا في العالم، حيث بيع كتابها “تستطيع أن تشفي حياتك” أكثر من 39 مليون نسخة في العالم حتى العام 2011. كنت أمرّ على كتب هاي عندما أحتاج إليها فقط حتى يوم الخميس الماضي عندما تذكرت صديقة كنا قد تعرفنا على بعضنا البعض في 2010، علاقة تعمقت بسرعة وانتهت بسرعة بسبب سوء تفاهم من كلا الطرفين وانتهت العلاقة بطريقة غير مكتملة أو كما يطلق عليها في الغرب “unfinished business”، لأسباب ترجع لكبريائنا وأحيانا لتدخلات الآخرين. وكنت قد قررت بيني وبين نفسي أن لا تربطني بها أية صلة في المستقبل، لكنني في حقيقة الأمر كنت دائما أتذكرها عندما أمرّ بضيق أو ألم نفسي، أتذكر قوة مساندتها لي وخوفها عليّ فقد كانت تهتمّ بي وتخاف عليّ لكنني لم أكن أنتبه لذلك حينها.

يوم الخميس نسيت كل الإساءات وما دار بيننا في آخر لقاء، تذكرت الأمور الإيجابية منها فقط. تذكرت أنها هي من عوّدني على قراءة سورة يس، وتذكرت أنني كنت دائما عندما أقرأ يس أدعو لها بالأجر حتى عندما كنت غاضبة منها في بداية انفصالنا. لكن تلك الليلة ومن غير تردّد أرسلت إليها رسالة أسلم فيها عليها وأعبر لها عن اشتياقي لها. أرسلت إليها رسالتي من غير توقعات بل فقط شعرت بضرورة تعبيري عن اشتياقي لها. لكنها فاجأتني بردّ يشبه جمال روحها ووجهها وكأنه لم يكن بيننا أيّ سوء تفاهم. تبادلنا بعض الردود وكأننا افترقنا قبل أيام قلائل.

وفي اليوم التالي قررت أن أقرأ أحد كتب لويس هاي، فقراءة كتبها تساعدني في التخلص من أمور سلبية قد تطرأ في حياتي أحيانا لسبب أو لآخر. تذكرت كم نحن نتغاضى في حياتنا اليومية عن أمور جميلة بسبب مواقف وأشخاص نعطيهم حجما لا يستحقونه إما بسبب قلة خبراتنا في الحياة أو شدة الانفعال الذي يُسيطر علينا. تذكرت أن الحياة أبسط وأجمل وأهم من أن نقضيها في الحفر في همومنا ومشاكلنا مع الغير أو في تثبيت المشاعر السلبية وتأكيد الطاقات السلبية في حياتنا. والأهم من هذا وذاك، شعرت بلذة الاختلاء بالنفس، فالإنسان عندما يختلي بنفسه يكون في حالة اختلاء مع الله فيكون على طبيعته وفطرته الإيجابية، لأن الله يكون قريبا من الإنسان، فقد قال تعالى: “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ” (سورة ق الآية: 16)، ليس الله قريبا إلينا فقط بل هو يكمن في داخلنا، فنحن فينا شيء من روح رب العالمين، ذلك الجانب الروحاني الإيجابي الخيّر، قال تعالى: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ” (سورة الحجر الآية 29).

اقتباسا لما قرأت في كتاب لويس هاي فإن أكثر ما يجعلنا أقرب إلى أنفسنا وإلى الله هو طريقة تفكيرنا في ما يدور حولنا. هاي تذكر أننا نستطيع أن نُسيطر على حياتنا عن طريق تحكمنا في اختيارنا للكلمات وللأفكار التي نمتلكها والتي هي في الأصل جزء من معتقداتنا. عندما نتعلم كأطفال أن العالم مليء بالأمور المخيفة فكل شيء نسمعه بعد ذلك سيتوافق مع هذا المعتقد. هذه المعتقدات التي تبعدنا عن أنفسنا ما هي إلا معتقدات ورثناها عن آبائنا كما ورثوها هم عن آبائهم وأجدادهم. لذلك فإن 90 بالمئة من شخصية الإنسان تتأثر بمثل تلك المعتقدات الموروثة التي تكون معظمها سلبية. ما نعتقد فيه ونؤمن به هو ما يتأصل ويظهر في حياتنا لاحقا شئنا أم أبينا وهي تتأكد من خلال التجارب التي نحن نعمل على تكرارها في حياتنا لا شعوريا. هاي تقول “تجارب الحياة هي انعكاس لمعتقداتنا”. هل تساءل المرء منا لماذا معظم الناس من الأجيال السابقة كانوا فاشلين في مادتي الرياضيات واللغة الإنكليزية خصوصا في الخليج؟! من أين جاؤوا بهذا الاعتقاد؟ وهل هذا الاعتقاد حقيقي لدرجة أنه ترسخ في اللاشعور وظهر على الواقع في شكل فشل؟ هذا الاعتقاد سمعه الكثير منا عندما كنا صغارا في المراحل الأولى بالمدرسة من المعلمين الذين كانوا يرددون عبارات مثل “أنت لن تنجح أبدا في مادة الرياضيات” أو “الرياضيات مادة صعبة جدا” أو “أنت لا تملك القدرة على التحدث باللغة الإنكليزية بطلاقة” أو “صعب جدا أن تتعلم هذه اللغة”.

لو فكر الإنسان قليلا في صحة مثل تلك الاعتقادات وهل تنطبق عليه اليوم، وأنه يستطيع أن يتحداها لأنها معتقدات لا تخصه بل تخص غيره لتمكن اليوم أن يفلح في مادة الرياضيات ويتعلم لغات أخرى ربما “أصعب” من اللغة الإنكليزية.

أن نجلس ونختلي مع أنفسنا ونحاسب معتقداتنا هو التحدّي الأكبر. كم مرة جلسنا وقيمنا معتقداتنا الشخصية، من أين أتت وكيف أثرت على حياتنا؟ قلة قليلة تفعل ذلك لأن لا وقت لها، ولأنها مشغولة بالأمور الأخرى وبالآخرين. حتى أن هناك من يختلي بنفسه ليفكر في غيره وليس في نفسه. الاختلاء بالنفس هو نمو من نوع آخر، نمو لفكر الإنسان ولشخصيته. لا يمكن للشخص أن يستمرّ في الحياة وهو يلوم الآخرين والحياة على كل المصائب التي تصيبه، لا بدّ له أن يتحمّل المسؤولية الأكبر ولكن بشرط أن لا يلوم نفسه أيضا، إنما عليه أن يتجنب خلق أفكار ومعتقدات هدامة سلبية تجلب له الشقاء ولغيره، كما عليه أن يتعلم فن التسامح، أن يسامح الذي أساء إليه وأن يُسامح نفسه.

عند التعامل مع الناس الذين يسيئون إلينا ونسامحهم نجد هناك فئتين، فئة تتقبل التسامح وتتعامل معنا بشكل عادي يعكس نموّ أفرادها وصفاء روحهم ونعلم نحن وإياهم أن التسامح لا يعني بالضرورة أن تعود علاقتنا بهم كما كانت إنما الهدف هنا أن نعيش بسلام. وهناك فئة تعتقد أن التسامح هو تأكيد على خطئنا تجاهها بل وتعتقد أنه محاولة منا للعودة لما كانت عليه علاقتنا بأفرادها في الماضي فيكابرون ويستمرّون في العداء والتعامل معنا بجفاء وكراهية ونحن لا نملك سوى أن ندعو لهم بالسلام الداخلي أو نبتسم لعدم نضجهم الوجداني والروحاني لأن مثل هؤلاء ليسوا بسيئين إنما هم أناس أساؤوا التعامل مع أنفسهم.

عندما نُسامح من يسيء إلينا فإننا في الواقع نسامح أنفسنا ونجردها من الطاقات والمشاعر السلبية، وهو شعور يفوق شعور العاشق لمحبوبه هو شعور عاشق لنفسه حتى يقع في الغرام مع ذاته لأنه يعيش بسلام لا يعيشه غيره من المأزوم بالحقد والكراهية والبغضاء.

21