عندما أريد لليبيا أن تكون مختبرا لحكم الإرهابيين

السبت 2017/10/14

عندما غرد القيادي الإخواني الليبي محمد الحريزي، الأسبوع الماضي، في تويتر مدافعا عن الدواعش، اضطر حزب العدالة والبناء إلى التبرؤ منه، مدعيا أن الحريزي استقال قبل عامين من منصبه كرئيس لدائرة اللجان.

ما يميز الواقع الليبي منذ سبعة أعوام، أن جماعات الإسلام السياسي باختلاف مكوناتها، شكلت خليطا عقائديا متشددا لقيادة حرب الإطاحة بنظام معمر القذافي، وقد وجد هذا الخليط دعما من العالم الحر والغرب الديمقراطي، رغم أن أغلب قياداته كانت تقاتل في أفغانستان، وبضعها كان سجينا في غوانتانامو، أو في السجون الليبية بتهمة التورط في الإرهاب، بمن فيهم الحريزي ذاته الذي كان يقيم في الولايات المتحدة، وحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

استطاعت قطر أن تسوق لهذا الخليط بعد أن دفعت بالإخوان إلى ساحة العمل السياسي، وبتنظيم القاعدة إلى المواجهات الميدانية، وجعلت من عبدالحكيم بالحاج قائدا لما سمته آنذاك بتحرير طرابلس في ذكرى فتح مكة، وفي إطار “فجر الأوديسا”، بينما كانت القيادات الإخوانية تتحرك في كل الاتجاهات للإقناع بأنها البديل الأفضل للنظام السابق.

لقد كان من الضروري تشريد حوالي مليوني ليبي في الداخل والخارج، وتهميش العشرات من المدن والقرى، واضطهاد القبائل، لفتح الطريق أمام الإسلاميين لحكم البلاد، فالأقلية لن تحظى بأي موقع مهم إلا في حالة تهميش الأغلبية واستبعادها من المشهد السياسي، ومن هذا المنطلق جاء المؤتمر الوطني العام في 2012 ليمثل تحت الوصاية القطرية وبدعم أميركي بريطاني نموذجا لما كان يكون عليه الوضع في المنطقة، حيث أريد لليبيا أن تكون مختبرا لاستقطاب الإرهابيين للحكم، كما أريد لليبيين أن يدفعوا ثمن ذلك غاليا، من خلال اغتيال نخبهم وتمزيق نسيجهم الاجتماعي وتدمير اقتصادهم وسرقة ثرواتهم.

فتحت سلطات طرابلس بعد 2011 أبواب البلاد للإرهابيين المدفوعين من بلدان الجوار وغيرها، لحماية النموذج وحراسة المثابة، ولكن الخلاف على المصالح، أعاد فرز مكونات الخليط، حيث تحول البعض من قيادات القاعدة إلى أثرياء عابرين للحدود بعد استيلائهم على أموال المصارف وممتلكات رموز النظام السابق.

واتجه البعض الآخر إلى أمراء حرب وقادة ميدانيين، تشكل من بين أيديهم تنظيم أنصار الشريعة الذي ارتبط بعلاقات مع تشكيلات إرهابية أخرى من دول الجوار ومنطقة الساحل والصحراء.

ومن داخل منظومة الإخوان والقاعدة في سرت، تأسست البذرة الأولى لداعش، فبايعت أبا بكر البغدادي لتجد صدى في العراق والشام، ولتستقطب مسلحين من دول أخرى كانوا يعبرون كمائن الميليشيات الحكومية بهتافات التكبير التي توحد بين مختلف مكونات الخليط الإرهابي، بدءا من الإخواني القاعدي وصولا إلى القيادي الداعشي.

ولم تتخذ عواصم الغرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة قرار محاربة داعش، إلا بعد أن ضرب الإرهاب قلب أوروبا، وتبين أن النموذج الليبي يتجه إلى التوسع خارج الحدود، وأن الهجرة غير الشرعية المنطلقة من سواحل خاضعة لسيطرة ميليشيات الإسلام السياسي قد تحمل معها نحو الضفة الشمالية قنابل بشرية جاهزة للانفجار.

عندما أطلق الجيش الوطني الليبي عملية الكرامة في ربيع 2014، كان عليه أن يواجه تحالفا إرهابيا يتكون من الإخوان والقاعدة والدواعش ومجالس شورى الثوار وأتباع المفتي المعزول الصادق الغرياني ولصوص النفط ومهربي البشر والميليشيات الجهوية المرتبطة بحكومات المؤتمر الوطني العام، وكان عاديا أن يتفق هؤلاء جميعا على مواجهة القوات المسلحة، فما يجمع بينهم أكثر بكثير مما يفرّق، وحتى إن اختلفوا فهو اختلاف آني أو لحسابات تكتيكية، ولكنها لا تدخل في إستراتيجيا الإرهاب ومن يقف وراءه.

اليوم، يتقدم الجيش الليبي بقوة لمواجهة الإرهاب بمختلف تفرعاته في المنطقة الغربية، يسانده في ذلك شباب المناطق المستهدفة، والمثير في الأمر أن الدواعش الفارين من صبراتة والعجيلات وصرمان يتجهون للاحتماء بميليشيات الإخوان والقاعدة في الزاوية، ثم يخرج أحد قياديي الإخوان ليدافع عن مقاتلي داعش بالقول “إنهم أنصارنا” وهو صادق في قوله فالأصل واحد والأساس العقائدي واحد والهدف الإستراتيجي واحد، وإن كـانت التكتيكات تعيد فرز الخليط أحيانا.

كاتب تونسي

9