عندما أسقط المصريون مشروع الإخوان

ثورة الثلاثين من يونيو استطاعت أن تنقذ مصر من الفوضى العارمة وأن تضرب المشروع الإخواني الذي كان يطمح إلى السيطرة على المنطقة العربية.
الأربعاء 2020/07/01
بقدر الوجع يكون الصراخ

قطعت ثورة الثلاثين من يونيو التي قامت في مصر ضد نظام الإخوان على التنظيم العالمي فرصة إعادة تأسيس الخلافة وبناء الإمبراطورية التي تعتبر أساس المشروع العقائدي للجماعة، حيث يضمن هذا الهدف للإخوان السيطرة على المنطقة العربية وبالتالي إغراقها في حالة من الفوضى.

عندما انتفض الشعب المصري في الثلاثين من يونيو 2013 كانت هناك فطرة سليمة تقوده إلى ذلك ناتجة عن تاريخ طويل من الحس الحضاري والقدرة على فهم التحولات، وخصوصا من حيث استشراف الخطر الداهم. فسيطرة جماعة مغلقة بعقيدة إقصائية على بلد في حجم ومكانة مصر كان سيدخل المنطقة في نفق مظلم قد يستمر لعقود طويلة، خصوصا وأنه ارتبط بمشروع تم إعداده في غرف مظلمة على امتداد العقد الأول من الألفية بهدف القضاء على الدولة الوطنية وإخضاع العالم العربي للخلافة الجديدة بقيادة تركية.

روى الدكتور مصطفى الفقيه المستشار السياسي للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك أنه وعندما كان نائبا لرئيس البرلمان العربي في العام 2007 جرى بينه وبين وزير الشباب الجزائري آنذاك عبدالقادر السماري حديث هامشي في مبنى الجامعة العربية؛ قال له السماري، الذي تم انتخابه مؤخرا رئيس مجلس شورى حركة مجتمع السلم الإخوانية “استخسرك في ما أنت فيه”. وأضاف “هل تعرف رجلا اسمه رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية (آنذاك) هو الآن السكرتير العام للتنظيم العالمي للإخوان، والمنطقة مقبلة على تحولات كبرى خلال السنوات القادمة وستكون الشرعية من مصر ولكن القيادة من تركيا”.

رغم أن السماري سارع إلى تكذيب ما نقله عنه الفقيه إلا أن كل المؤشرات تؤكد أن الدبلوماسي المصري قال الحقيقة، ففي تلك الأثناء كانت المؤامرة تحاك على أكثر من صعيد وكانت واشنطن مركز التخطيط الدولي والدوحة مركز الإعداد الإقليمي.

كانت هناك تحركات غامضة تجري باستقطاب المعارضة، اليسارية والليبرالية، والدفع بعناصرها الشابة إلى معسكرات مغلقة في دول أوروبا الشرقية بهدف تدريبها على ما سمي بالتغيير السلمي، واتخاذ الثورات الملونة نموذجا ومثالا، فيما كانت الغاية تمكين الإسلام السياسي من الحكم، وهو ما تبين لاحقا.

ليس هذا وقت العودة إلى ما حدث في أوائل العام 2011 والطريقة التي جرت بها الأمور في تونس ومصر ثم في ليبيا وسوريا واليمن وما كان يخطط له في السر لنقل العدوى إلى بقية الدول دون استثناء، ولكن ما تبين آنذاك أن الإسلام السياسي وحّد صفوفه بين إخوان وسلفية جهادية واتجه لتوسيع طموحاته إلى شراكة على مستوى المنطقة بدعم غربي معلن.

كانت واشنطن حينها في ظل حكم الديمقراطيين وهيمنة المحافظين الجدد وتحول مقر لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (الإيباك) إلى دار ضيافة لقيادات الإخوان الذين كانوا قد أعطوا وعودا بالتوصل إلى حل مع تل أبيب، فالإسلاميون لا يرون مانعا من تصفية كل القضايا العالقة مقابل تمكينهم من الحكم وتحقيق مشروعهم المحكوم بأيديولوجيات قديمة، تتحرك في واقع جديد بكثير من النفاق والتقية والاستعداد للتبعية والقبول بما يُملى عليهم، على الأقل مؤقتا.

المشروع الإخواني يعتمد في جزء مهم منه على إسقاط الدولة الوطنية ومؤسساتها
المشروع الإخواني يعتمد في جزء مهم منه على إسقاط الدولة الوطنية ومؤسساتها

لم يعرف الغرب قوة سياسية من الممكن ترويضها لخدمة أهدافه الكبرى كجماعة الإخوان، التي حاربت وكفّرت كل التجارب السابقة من قومية ووطنية ويسارية، ولم تترك نظاما إلا وتآمرت عليه ولا زعيما وطنيا إلا وسعت إلى الإطاحة به أو الانقلاب عليه حيا أو ميتا. ولم تترك جهاز مخابرات أجنبيا إلا وقدمت له الخدمات ولا بلدا من خارج المنظومة الغربية إلا وحاولت نخره من الداخل. وكانت الجماعة على استعداد بعد تحقيق مشروعها في المنطقة العربية لتوسيع المؤامرة في اتجاه روسيا والصين، وهو ما كشفت عنه مجريات الحرب الأهلية السورية عندما تم استقدام المسلحين من مختلف الدول وتحويلهم إلى نواة لجيش الخلافة بأسلحة متطورة وتمويلات سخية وعيون مغمضة عن انتهاكاتهم وجرائمهم.

كان المشروع الإخواني يعتمد في جزء مهم منه على: إسقاط الدولة الوطنية ومؤسساتها، وشيطنة تاريخها ورموزها، والتقليل من أهمية منجزاتها، وتشكيل الميليشيات بدل الجيوش، وتأسيس الأمن الموازي لضرب الشرطة ووضع اليد على القضاء واغتيال الناشطين المؤثرين، وتقسيم المجتمعات باللعب على أوتار التباينات العرقية والمحلية، والقبلية والفئوية، والطائفية والمذهبية، واعتبار كل معارض للجماعة خارجا عن الإسلام.

وبشّر المشروع الإخواني بالديمقراطية كشعار للتمكن من السلطة قبل الانقلاب عليها والحديث في الغرف المغلقة عن الهدف الأكبر وهو إعادة تأسيس الخلافة وبناء الإمبراطورية، التي كان أردوغان أول المهيئين لقيادتها والتي تعتبر أساس المشروع العقائدي للجماعة منذ حسن البنا وسيد قطب.

في يونيو 2013، كانت تونس تحت حكم الإخوان وحلفائهم تصدر المقاتلين إلى ساحات المواجهة. وكانت ليبيا مختطفة من قبل الإسلام السياسي. وسوريا تواجه حرب الإطاحة بها تحت شعارات دينية وطائفية. وفي البحرين، كانت أصوات الدعاة تهتف في كل مكان بالجهاد. وقطر تدفع المليارات لتهيئة الوجه الجديد للمنطقة. والخلايا النائمة تستعد لبث الفوضى في دول الخليج. وعين المتآمرين ترمق الجزائر وموريتانيا ولكن بحذر. واللوبيات النافذة في الغرب تتزعم حملة التبشير بالربيع العربي. وإسرائيل تستقبل جرحى جبهة النصرة لمداواتهم في مستشفياتها برعاية خاصة من نتنياهو.

وكانت مصر تحت حكم الإخوان، والإرهاب يضرب في كل مكان لبث الرعب في الجماهير بما يساعد على السيطرة عليها. وكانت الدوحة قد بدأت تخترق المؤسسات وتتدخل في قرار القاهرة وتدفع نحو الهيمنة على أكبر بلد عربي وتعد مع أصدقائها الأميركان والإسرائيليين لمشروع توسيع دولة حماس على حساب سيناء وكانت مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء في قلب العاصفة.

لم يعرف الغرب قوة سياسية يروضها لخدمة أهدافه كالإخوان الذين حاربوا التجارب السابقة وتآمروا على الأنظمة

وكان محمد مرسي يهدد بإرسال قوات مصرية للقتال ضد النظام السوري، وأتباعه يحاصرون المحكمة الدستورية ومدينة الإعلام ويمارسون العنف على المتظاهرين السلميين. ولم يكن الشعب يعلم هل أن رئيسه هو محمد مرسي أو خيرت الشاطر أو محمد بديع أو حمد بن خليفة آل ثاني أو أردوغان أو السفيرة الأميركية آن باترسون. كما كان المجتمع على أبواب فتنة بين مكوناته، بعد حرق كنائس وتكفير المسيحيين وسحل شيعة وتحويل سيناء إلى ساحة جهاد.

وأخرج الإرهابيون من السجون، وهو ما أدى إلى احتقان في صفوف الشعب المعتز بوطنيته، سرعان ما تحول إلى غضب فتمرد فثورة شعبية. فالمصريون لا يقبلون على أنفسهم أن تتحول بلادهم إلى ساحة للتناحر ولا إلى قطعة من الأرض ملحقة بمشروع معاد لسيادتها ولدورها القيادي في المنطقة. والمجتمع المصري لا يرضى الخنوع لحكم جماعة لا تعترف أدبياتها بالوطن ولا بالتنوع الثقافي والحضاري.

استطاعت ثورة الثلاثين من يونيو أن تنقذ مصر من الفوضى العارمة ومن الاعتداء على جغرافيتها وسيادتها وسلمها الأهلي وأن تضرب بالمقابل المشروع الإخواني، الذي كان حصان طروادة للسيطرة على المنطقة العربية ومقدراتها، وأن تفشل مشروع المحافظين الجدد وطموحات أردوغان والنظام القطري. لذلك لا تزال تلك الثورة تتعرض حتى اليوم إلى حملات التشويه، ولا يزال الخاسرون من جرائها يمارسون التضليل والخداع والتحريض ضد الدولة المصرية وقيادتها ومؤسساتها، فبقدر الوجع يكون الصراخ، وصراخ الخاسرين لا يزال عاليا، ولكنه في واد غير ذي زرع.

13