عندما أصبحت المعادلة: أعطنا الكيماوي، لنوقف الحرب

الخميس 2013/09/26

بعد مجزرة الغوطة في دمشق، أصبحت عبارة «الكيماوي السوري» تحتل المركز الأول عالميا في أروقة الدبلوماسية، والسياسة، والاستخبارات، وبات صخبها يملأ جميع وسائل الإعلام بما يحيط بها من زخم بالمعلومات واللغط، والقبول، والرفض، وكأنها كلمة السر ومفتاح اللغز الذي كان الجميع يبحث عنه طيلة السنوات الثلاث الماضية.

هذه العبارة تعيد إلى الذاكرة ما كان يتردد بشكل يومي منذ أشهر الثورة الأولى على لسان بشار الأسد، ومسؤوليه، والمتحدثين الرسميين وغير الرسميين باسم نظامه في كل مناسبة أو تصريح، وهو حديثهم عن الأوراق الموجودة في جعبة النظام ولم يستخدمها بعد. وكانت الأوراق تتكشف شيئاً فشيئاً كلما ارتكب النظام مجزرة أخرى أو تجاوز خطّا أحمر آخر. كانت كلمة «الأوراق» في البداية أقرب في دلالاتها إلى صبغة تهديدية غير واضحة في أفق استخدامها وماهيتها، إلا أن الأيام أثبتت وتثبت بشكل مستمر بأن لدى النظام أوراقا فعالة مخصصة للحظات كهذه ومهمتها فقط أن تحافظ على بقائه حتى بعد ارتكاب مجزرة بالسلاح الكيماوي أمام نظر العالم أجمع.

لعبة الأوراق في المنطقة لم تكن جديدة يوماً على هذا النظام، فقد برع «الديلر» حافظ الأسد في خلطها منذ سبعينات القرن الماضي إلى أن بات من الصعب فكها لما فيها من تشابك وتعقيد، كما أنه صاغ آلية استخدامها بشكل احترافي لتظهر تلقائيا كأداة للمساومة والضغط كلما أصبح الخطر داهما ومهددا لوجود نظامه. فصاحب نظرية الأذرع العسكرية والحرب بالوكالة كان يعلم جيدا كيف يستفيد من التناقضات الهائلة سياسيا وديمغرافيا في الشرق الأوسط، وأنها تركة الاستعمار من أجل إبقاء المنطقة محفوفة بالمخاطر ضمن لعبة توازنات معقدة يتحكم بها الغرب. وهكذا جعل النظام السوري من نفسه أحد أهم ركائز هذه التوازنات سياسيا واستراتيجيا بعد أن أحكم قبضته على عدد من الخيوط والأوراق التي يهدد بها الغرب ودول الجوار كحزب العمال الكردستاني واستثماره في تركيا ثم تسليمه عندما كاد الأمر أن يتحول إلى اشتباك حقيقي، وكذلك في تعاطيه مع فصائل المقاومة الفلسطينية، ومساهمته في صناعة حزب الله والعلاقة مع إيران، ولا يخفى على أحد دخوله على خط التنظيمات الجهادية التفكيرية اللعبة الأممية الأقذر والتي تثبت المعطيات يوميا بأن معظم استخبارات دول العالم شاركت بصناعتها، وتغذيتها، وتوظيفها كل وفقا لمصلحته.

ضمن هذا السياق، جاء طرح قضية التخلص من ترسانة الأسلحة الكيماوية بدلا من أن يخرج النظام ليهدد باستخدامها، كما فعل حليفه في كوريا الشمالية عندما أعلن أنه سيضرب الولايات المتحدة بالسلاح النووي، فما حصل هو العكس تماما؛ مبادرة لتسليم السلاح الكيماوي والتخلص منه. ذلك لأن النظام في سوريا لم يفكّر يوماً بعقلية المواجهة المباشرة، ولن يضع ضمن حساباته على الإطلاق فكرة التواجد في حرب عسكرية مع قوة عظمى يعرف مسبقاً بأنه سيخرج منها مهزوماً وستؤدي إلى زواله حتى لو استطاع أن يتسبّب بالأذى لخصومه. إن القوة المختزنة في بنية هذا النظام طوال العقود الماضية مصممة لحمايته فقط ضمن منهجية المساومات والحرب بالوكالة من خلال ميليشيات وعصابات يدعمها ويدربها ليهدد بها الآخرين ويساوم عليها في اللحظات الحرجة.

مخاطر لعبة السلاح الكيماوي على الثورة السورية:

بعد مرور قرابة ثلاث سنوات على بداية الثورة السورية وما حصل ويحصل من كوارث هائلة على كل الجوانب وخصوصاً الإنساني منها، فبات من غير المعقول أن يُصدّق أحد بعد الآن بما يتشدّق به الغرب عن حقوق الإنسان والحريات ومحاربة الإرهاب. ما يحدث في سوريا جعل الجميع يدرك أن هذا العالم الأول لم ولن يكون طوباوياً يوماً كما يُصور نفسه، ولن تجد فيه أحداً يدافع عن طرف مظلوم تحت بند الأخلاق ودونما وجود أي مصلحة آنية أو استراتيجية.

ولذا فإن استمرار الصراع الدامي في سوريا إلى الآن يعني أن لا مصلحة لأي جهة في إيقافه. ولا أحد يستطيع أن يغفل حقيقة أن مصلحة أميركا والغرب عموماً إنّما تأتي في سلم أولوياتها حماية أمن إسرائيل وأمن الطاقة، ومِن هنا جاءت معادلة السلاح الكيماوي وتجريد سوريا منه ثمناً سخيّاً لا يمكن التغاضي عنه أو تأجيله لإنقاذ شعب مثلاً.

بالتأكيد ليس الأمر أن الكيماوي سلاح استراتيجي بحوزة نظامٍ يمكن أن يستخدمه ضد أعدائه الخارجيين، بل لأن هذا النظام سيزول عاجلاً أم آجلاً، والخوف من أن يصل السلاح إلى أيدٍ ربما لن تتوان عن استخدامه مع أعداء سوريا والشعب السوري، وأولهم بطبيعة الحال دولة إسرائيل. أو أن يقوم الأسد بتوزيعه على ميليشيا حزب الله وباقي حلفائه في ضرب من الجنون سيحرق المنطقة بما فيها. فأين تكمن المخاطر الحقيقية على الثورة السورية في تظهير هذا السلاح كورقة للمساومة؟

أدرك النظام منذ اللحظة الأولى من الثورة السورية بأن التهديد الحقيقي له هو في إمكانية حصول تدخل عسكري خارجي كفيل بقلب موازين القوى سريعاً وبشكل دراماتيكي على الأرض، وكان جاهزاً كعادته لدفع أي ثمن سيمنع حصول حرب كهذه ضده. لكنّ التدخل الروسي والإيراني على خط الصراع ودعم النظام ومنع سقوطه ثم المشاركة في خلط أوراق النظام نفسها، جعل من ورقة السلاح الكيماوي أكثر فاعلية وقدرة على تمكين النظام السوري وإطالة عمره. بل وأقوى استراتيجيا، لجهة ما يمكن أن يترتب على مساومة من هذا النوع من مخاطر حقيقية تهدد الثورة والثوار على الأرض. فالذي يفاوض اليوم لتفكيك هذا السلاح هي روسيا ومعها إيران بجزء مهم من العملية، أي شروط التفاوض ستتجاوز بكثير فكرة الكيماوي لتشمل كامل الموقف الأميركي من النظام، وسلّة مُتكاملة من الخيارات، وعرضاً شاملاً للحل وفقاً المنظور الروسي. وهنا مكمن الخطر، فروسيا وإيران تفاوضان من مسافة بعيدة عن الحريق السوري، مما يمنحهما مساحة أكبر لفرض شروط مفتوحة بعد أن ساهمتا بطبيعة الحال في تفكيك سوريا وإغراقها في الدمار أكثر فأكثر، سواء بقي النظام أم سقط. مع الأخذ بعين الاعتبار أن هدفهما إبقاء النظام على رأس دولة فاشلة بعد أن تم بنجاح مسح كل إمكانية مستقبلية لنهوض هذه الدولة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في العقد الراهن على الأقل.

إن من يمارس لعبة التخلص من السلاح الكيماوي الآن يدرك جيداً حجم هذا الملف، وكم سيتطلب من وقت وأموال لتنفيذه، وهذا الأمر سيضغط باتجاهين: أولهما داخلي وهو إعطاء المزيد من الوقت للنظام ليجهز قدر الإمكان على المعارضة عن طريق استخدام ترسانته من الأسلحة التي لم تعد الخطوط الحمراء معنية بها وخاصة أن عملية التخلص من السلاح الكيماوي قد تصل إلى سنوات كما يقول الخبراء، وهكذا عملية لن تتم ما لم يكن الأسد على كرسي الحكم، والاتجاه الثاني يتعلق بالملف السوري كاملا في الأروقة الخارجية، أي الضغط لوقف مصادر تمويل المعارضة وخطوط إمدادها التي تتحكّم بها دول حليفة لأميركا، مع ضمان الاستمرار في عملية استنزاف الدولة السورية ومُقدراتها إلى مستويات أدنى لاستكمال تخليصها أي عوامل قوة متبقيّة. وهذا في نظر الغرب، وبخاصة أميركا، يُعدّ مكسباً استراتيجياً حقيقياً يتجاوز في أهميته إسقاط النظام وترك سوريا لبدائل أخرى غير مضمونة النتائج ولا تُبشّر بأي خير. وبذلك فهي تحافظ على مصالحها المتمثلة بأمن إسرائيل وخطوط النفط، كما تحفظ التوازنات الإقليمية التي تضمن إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار مضبوطة ومبرمجة تبعاً لمصالحها.

إن مبادرة قيصر روسيا بشأن انتزاع السلاح الكيماوي هي انفراج لم يكن الأسد يحلم به، فهي تكفل بشكل غير مباشر طي صفحة ثلاث سنوات تقريباً من القتل والدمار والتشريد التي ارتكبها الأخير بحق شعب كامل. كما أن مُضي بوتين قدما في هذه المبادرة رغم تصريحاته التي يركّز فيها دائماً على اتهام المعارضة باستخدام الكيماوي هو خدمة جليلة لحفظ ماء وجه الإدارة الأميركية المهزوزة بصفتها الداعم الأبرز لطرف المعارضة التقليدية وتَجمعاتها. الأخيرة التي لن تجد لها أي دور يُذكر سواءً في صناعة الحدث، أو المشاركة فيه، أو في هذا المقال.


كاتب سوري

8