عندما انحرفت الثورة عن مسارها

الخميس 2014/11/20

ليقل الناس ما شاؤوا قوله، عن قوى دولية، وغرف مخابرات سوداء، تتخصص في التآمر، كان لها يد في تحريك ودعم ثورات الربيع العربي، ولكن مما لاشك فيه، ولا يلحقه أدنى ذرة من ريب، أن جموع الناس التي انطلقت تخوض غمار هذه الثورة في شوارع سيدي بوزيد في تونس، ثم في ميدان التحرير في القاهرة، ثم ميدان الشهداء في طرابلس، وساحة الحرية في بنغازي، وبعدها في شوارع دمشق وصنعاء، كانت صادقة في انطلاقها العفوي، الناتج عن إحساس بالظلم والغبن والمهانة، تحت حكم طغاة، وضعوا نعالهم فوق أعناقهم على مدى ثلاثة وأربعة عقود، فكان لابد أن تتفجر الثورات ضد أنظمتهم، بهذا الشكل العارم الجارف العنيف، وأن يبذل الشباب أرواحهم في سخاء، للإطاحة بمسوخ حكام طغوا وبطروا وفجروا وأحالوا عالما عربيا زاخرا بالإمكانيات، والموارد البشرية والمادية، إلى ما يشبه مكبات للقمامة الدولية، بما في ذلك قمامة المواد الكيميائية، كما كان الحال في بعض هذه الأقطار وبعض المناسبات، وشملت هذه الثورات أغلب البلدان المحكومة بأنظمة عسكرية انقلابية، ولا سبيل لإزاحتها بأي صيرورة ديمقراطية اعتيادية، يحتكم فيها الناس إلى صناديق الاقتراع، وإنما بالفعل الثوري فقط، بينما نجت الأقطار المحكومة بأنظمة تقليدية، من هذه الثورات، لأن حكامها يستندون إلى غطاء أكثر شرعية ومصداقية من عشوائية ولاشرعية حكام الانقلابات، حيث تضاءلت مساحة الحرية إلى الدرجة صفر، وكثرت جيوب التخلف والظلم إلى الدرجة داعش.

فلا سبيل إذن، إلى التشكيك في صدق دوافع الثورة، ونبل منطلقاتها، وقوة الأسباب المحركة لها، ولا يمكن، تبعا لذلك، إلا إبداء الإكبار والإعجاب، بالنتائج التي استطاعت قوى الثورة تحقيقها، وهي تدخل المنازلة مع أعتى العصابات الحاكمة إجراما، ودون سلاح تواجه به الترسانة المرعبة التي تملكها، إلا سلاح الإرادة والإيمان، وقوة العقيدة الوطنية، فتحرز مع كل هذا التفاوت في القوة والموارد والعدة والعتاد، النصر تلو النصر، ضد هؤلاء الطغاة، وتلقي بهم إلى مزابل التاريخ.

ما حدث عقب هذا النصر، وربما قبله أيضا، وأعني ما يتصل بجهود حثيثة للاستحواذ على هذه الثورات، والانحراف بها عن مسارها، وسرقة نتائجها، هو ما يمكن لعشاق نظرية المؤامرة، الخوض فيه شمالا ويمينا وعموديا وأفقيا، لأنه مجال واسع يشبه الاوقيانوس، وسيجدون البراح والمساحات الشاسعة لتجريب مهاراتهم وتفسيراتهم وتحليلاتهم، لأن المؤامرة هنا تظهر واضحة جلية تستطيع أن تلمسها بأصابع اليد، وتراها بشكلها البشع القبيح، لها أسنان زرقاء بارزة كأسنان أكثر الثعابين خطورة وأغزرها سما، ولها مخالب وبراثن الوحوش، ونجدها تصول وتجول في أرض هذا الربيع العربي، تقطف زهوره، وتقوم بسحقها، والقضاء على كل بقعة خضراء تغذت ونمت وروت من دماء الشهادة، وإهالة الأوحال فوقها، وفوق كل نبع وجدول يمكن أن يعيد الخصب لهذه الأرض.

والشواهد كثيرة على ما سعت قوى المؤامرة لإفساده في تونس ومصر، وما نجحت في تحقيقه على أرض الشام والعراق واليمن، وما استطاعت إنجازه في ليبيا باعتبارها حالة تستحق أن نقف عندها، لأن قوى المؤامرة هنا أحرزت نجاحا واضحا جليا هنا، لأنها لم تجد الوعي والإدراك والخبرة المختزنة والمتوفرة، بمثل ما وجدت لدى شعبي مصر وتونس مثلا، فقد وجدت في ليبيا وطنا، نجح نظام الطغيان الذي غزا البلاد على ظهر دبابة أميركية، وبنى خيمته فوق الجماجم والهياكل العظمية لضحاياه، في تجريف هذا الوطن سياسيا وثقافيا واجتماعيا، وانتزع من أشجاره نسغها، ومن أرضه الخصبة، أمشاجها، وتركها أرضا يبابا لا تصلح إلا لزرع بذور العوسج والصبار والحنظل، وقد نمت هذه النباتات الشيطانية نموا سريعا، ليجد فيها أهل المؤامرة إمكانية سهلة ويسيرة للاستخدام والتوظيف والانحراف بالثورة عن مسارها، والسعي لاستنساخ النظـام الانقلابي السابق، في كل ممارساته وانتهاكاته ومجازره، وبشكل أكثر فجورا وظلما وإجراما، ولا يتميز الحراك السياسي الميليشياوي الحالي في ليبيا عن سابقه، إلا في بعض الأشكال والأردية والأغلفة ووجوه الأشخاص، أما الجوهر فواحد، وهو ما بقى يخدم أهل المؤامرة أكثر من أربعة عقود، ويريدونه أن يستمر في مشكله المموه المخادع، عقودا أخرى.

ولست غافلا هنا، عن حقيقة أن هناك عونا دوليا، تلقاه الليبيون، في بداية الثورة، ساعدهم في إحراز النصر، لأنه كان هناك تقاطع طرق، التقت عنده رغبة الشعب الليبي في التغيير، ورغبة القوى الدولية، في إزاحة نظام استنفد أغراضه، وصار بطة عرجاء، لم يعد يستطيع أن يقضي لهم مصلحة، ولا يحقق لهم إنجازا، وينتهي عند هذا الحد اللقاء بين الطرف الليبي والطرف الدولي، لأن هذه القوى الدولية لا تريد حقا ما يريده الشعب الليبي في أن يكون سيد إرادته، والمالك لمقدراته، وصاحب السيادة فوق أرضه ومواردها وإمكانيات الخير الموجودة فيها.

وحسب القاعدة التي تقول بأن لكل قوة فعل، رد فعل يوازيه في القوة، ويعاكسه في الاتجاه، فإن المواجهة التي سخرتها قوى المؤامرة للثورة الليبية العارمة الغامرة المبهرة، كان لابد أن تفوق هذه الثورة في قوتها وزخمها وإمكانياتها، ودحرها بكل ما تملك قوى المؤامرة من قبح وإجرام وتوحش، وبدا ذلك جليا في مستنقعات الدم الذي أسيل بعد التحرير، وقوى الإجرام المافيوزية التي تسيدت على المشهد، وتهدد بإدخال البلاد في نفق الحرب الأهلية، أو معاقبتها بالانفصال والتقسيم، وكيف تمكنت هذه القوى البلاطجة وأهل الإجرام، الإطاحة بكل أهل الحراك السياسي المعتدلين وأهل الخبرة، ويكفي أن نـرى كيف يحارب التحالف الغربـي بقيادة أميركـا، الدواعش في كل مكان من العالم، إلا في ليبيا، ليس حبا في دواعش ليبيا، ولكن لأنهم أداة لاستنزاف جهود الليبيين، وكسر إرادتهم، وإحالة حياتهم إلى جحيم، وبالتالي إنهاكم ليسهل تمرير ما تريده قوى المؤامرة من مخططات.


كاتب ليبي

8