عندما انهار منزل الثنية على علي عبدالله صالح

الخميس 2017/12/07
من هنا سطر بداية النهاية

صنعاء - خمدت المعارك في محيط منزل علي عبدالله صالح، وتوقفت الرشاشات والمدافع عن إطلاق النيران، وحوله كان العشرات من المسلحين يبددون زمهرير شتاء صنعاء البارد بأنفاسهم الحارة والمتلاحقة، وكان أحد قادتهم يجري اتصالا هاتفيا، وجاء الأمر، “أعدموه”.

كانت تلك الكلمة الأخيرة التي سمعها الرجل السبعيني، ومعها دارت في مخيلته تفاصيل 33 عاما كان فيها الرجل الأشهر في البلاد، الواقع في الجنوب الغربي من الجزيرة العربية.

بدأت احتفالات جماعة أنصارالله (الحوثي) بالنصر، ليل الأحد الماضي، لكن الخبر لم يُعلن عن مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، إلا ظهر اليوم التالي، حسبما يروي قيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام باليمن.

ويضيف القيادي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن علي عبدالله صالح قرر القتال مع المئات من القوات الموالية له، في منزله “الثنية” بحي الكميم في الحي السياسي، جنوبي العاصمة صنعاء، في الوقت الذي كان فيه المسلحون الحوثيون يتقدمون بدباباتهم وعرباتهم المدرعة نحو المنزل.

وفي المربع السكني، الذي لا تتجاوز مساحته 3 كيلومترات، بدا الرجل ببندقيته وهو الذي فارق الزي العسكري قبل 39 عاما، عند جلوسه على كرسي الحكم، باعتباره الرئيس الخامس للجمهورية العربية اليمنية، أحد المقاتلين الميدانيين المخضرمين.

كانت المدفعية الثقيلة والدبابات تضرب بعنف أسوار المنزل والمنازل المحيطة به، وكان العشرات من حراس عبدالله صالح الذين يقاتلون بالرشاشات يسقطون قتلى، واحدا تلو الآخر، حسب ما أفاد به المصدر.

الحوثيون قاموا بتصفية من تبقى من حراس علي عبدالله صالح الذين كانوا على قيد الحياة في المنزل الذي كان شاهدا على نهاية حقبة زمنية من تاريخ اليمن الحديث

مع مرور الساعات، كان الحوثيون يضيقون الخناق على المنزل بإسناد كثيف من الدبابات وصواريخ الكتف، في الوقت الذي كان فيه العشرات من حول عبدالله صالح يستميتون في الدفاع عن معقلهم الأخير.

كان المنزل المشهور بـ”بيت الثنية”، الذي بناه علي عبدالله صالح، عقب توليه الرئاسة في العام 1978، يقي عشرات المقاتلين من الضربات المدفعية، لكن مع اشتداد القصف أيقنت حراسة صالح أن المنزل لن يصمد كثيرا، وفق المصدر.

من أمام هذا المنزل أعلن علي عبدالله صالح انضمام قواته إلى جماعة الحوثيين في الحرب ضد القوات الحكومية التابعة للرئيس عبدربه منصور هادي والتحالف العربي.

حينها، قال وهو يرتدي بزة رسمية مع نظارة شمسية، في خطاب متلفز بثته قناة “اليمن اليوم” المملوكة له والناطقة باسمه، إن “الشعب اليمني كله سيتحالف مع من يدافع عن مقدرات الوطن، وهذه المنازل (وهو يشير إلى منزله بيمناه) سنعوضها”. لكن، شاءت اللعبة السياسية أن يشهد علي عبدالله انهيار منزله مع حراسته الشخصية أمام تقدم الحوثيين وقذائفهم التي انهالت على قلعة الحليف العدو صالح.

وبحسب القيادي في الحزب فإن الحوثيين كانوا يُحكمون الحصار على آخر المنازل المحيطة بمنزل صالح، وفرضوا عدة أطواق أمنية، بينما كانت الدبابات ترسل قذائفها باتجاه القلعة الأخيرة لعبدالله صالح.

وقال “بموازاة ذلك كان المئات من المسلحين الحوثيين يقودهم عدد من القيادات الميدانية، يُعتقد أن القيادي البارز أبوعلي الحاكم (رئيس الاستخبارات في حكومة الحوثيين) كان أحد قادة الهجوم".

وطبقا للمصدر، بدأ خط المقاومة في الانهيار، مع مقتل قائد المقاومة طارق ونائبه محمد، إثر ذلك تجاوز المسلحون الحوثيون أسوار المنزل، وسط مقاومة شرسة من علي عبدالله صالح الذي كان لا يزال يرتدي بزته المدنية بالإضافة إلى حراسه المعدودين.

وصلت المعركة إلى فصلها الأخير، واقتحم المسلحون الحوثيون المنزل الذي كان يصطف أمامه العشرات من الحراس، وللمرة الأولى كان المسلحون بسحنتهم القبلية يقفون أمام المشير الذي كان جريحا، وتنزف منه الدماء بإحدى ردهات المنزل

وأضاف المصدر “بدأ المسلحون الحوثيون في توجيه إهانة لفظية لصالح، واعتدوا عليه بالضرب، فيما كان هو خائر القوى أمامهم، ولذلك أظهرت الصور التي أوردها الحوثيون آثار تعذيب وكدمات على وجهه، وخاصة جمجمته".

وتابع “كتفوا يديه ورجليه إلى الخلف والدماء تنزف منه، وبدأ القائد الذي اقتحم المنزل بإجراء اتصال مع زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، وبعد حديث مقتضب بين الاثنين، وجه الحوثي القائد الميداني بإعدام صالح". وأضاف “وجه أحد المسلحين السلاح إلى رأسه، وأطلق عليه النار”.

وبحسب المصدر فإن “الحوثيين أجّلوا إعلان مقتل علي عبدالله صالح إلى اليوم الثاني، بعد أن نفذوا مسرحية هروبه إلى مديرية سنحان ومقتله هناك، لكي يظهر لأنصاره بأنه كان يريد التوجه إلى مأرب، والالتحاق بالقوات الحكومية".

وكان الحوثيون قد نشروا معلومات بأن علي عبدالله صالح قُتل مع عارف الزوكا وحراسه الشخصيين، وهو يحاول مغادرة صنعاء، باتجاه مديرية سنحان مسقط رأسه، في منطقة الجحشي (48 كم جنوب صنعاء). كما روّجوا لاتصال هاتفي بين شخصين من القرية، أحدهما يؤكد أن “الحوثيين اعترضوا موكبه، وأطلقوا عليه النيران هناك”.

ومن بين الشهود على اللحظات الأخيرة لصالح كان الزوكا، الذي أُصيب هو الآخر خلال عملية اقتحام المنزل، وجرى نقله من قِبل الحوثيين إلى مستشفى 48، جنوب العاصمة صنعاء.

ووفق المصدر “في المستشفى، صفّى الحوثيون الزوكا كونه كان شاهدا على تفاصيل كل ما حصل”. وأضاف أن “الحوثيين نقلوا أيضا العقيد محمد صالح والعقيد الرحبي إلى المستشفى الألماني، شمالي صنعاء، وبعد تقديم الإسعافات اللازمة لهما تم أخذهما من قبل الحوثيين إلى منطقة مجهولة”. ورجح المصدر وفاة الرحبي كون إصابته كانت خطيرة.

ومن تبقى من حراس علي عبدالله صالح الذين كانوا على قيد الحياة في الهجوم، جرت تصفيتهم بالكامل من قِبل الحوثيين في المنزل الذي كان شاهدا على نهاية حقبة زمنية من تاريخ اليمن الحديث.

وحتى اللحظة لا تزال جثة علي عبدالله صالح مع الحوثيين. ووفق مصدر آخر في حزب المؤتمر، اشترط الحوثيون عدم تشريح الجثة مقابل تسليمها، كما اشترطوا عدم الإعلان عن موعد دفنها، وألا تكون الجنازة شعبي. وقال إن الحوثيين اشترطوا أيضا عدم دفنه في حديقة جامع الصالح بصنعاء، خلافا لوصية سابقة تركها علي عبدالله صالح.

7