عندما بدأت أكذب

الخميس 2016/03/31

مازلتُ أتذكر أول مرّة لجأت فيها إلى الكذب، كان عمري حوالي تسع سنوات. قبلها لم أكن أكذب، لم أكن أعرف معنى الكذب أصلا، لم أكن أتصور بأنّ اللغة تتيح لنا إمكانية أن نكذب، لم أكن أتخيل بأن لغة التواصل اليومي تمنح لكل شخص فرصة أن يقول عكس ما يحدث، بل، بكل “سذاجة”، لم أكن أعرف ما الذي يتوجّب عليّ قوله إذا قصدتُ أن أخفي وجه الحقيقة؟

لذلك، لم أكن قادرا على الكذب عندما مزّقتُ حبل الغسيل في الحوش الخلفي بعد أن علقت به لكي أتأرجح، وأدركت بأنّ أمي ستسلخ جلدي. جلست في الرّكن أبكي منتظرا عودتها من الخارج لأعترف لها بذنبي ثم أستسلم للجحيم! في تلك اللحظة نصحتني خالتي، ولم تكن تكبرني سوى بأربع سنوات، بأنّ أمامي فرصة للنجاة من العقاب. قلت ما هي؟ قالت: أن تكذب، ثم تقسم بأنك لست أنت من فعلها، وبكل تأكيد ستصدقك لأنها تعلم أنك لا تكذب. قلت لها بكل براءة : قد لا أنجح في هذا الأمر، وقد لا يسامحني الرب في الأخير. قالت: لا تكن مغفلا يا ابن أختي، ستنجح لأنك ولد ذكي، وسيغفر الله لك لأنّه لا يعذب الأطفال، وفي كل الأحوال بوسعك أن تمحو كل كذباتك بالصوم والدعاء سواء الآن أو عندما تكبر.

في تلك اللحظة غمرني شعور مفاجئ بأني أستطيع أن أكذب كما أشاء ثم أمحو كل شيء بعد أن أكبر، لكني في واقع الأمر بقيت خائفا من عاقبة لا أعرفها، أن تظهر علامات الكذب على وجهي، أن تصبح أذناي طويلتين، أن يطول حجم أنفي، أن يظهر تشوه على وجهي.. فجأة عادت أمي ودخلت إلى الحوش الخلفي وبدأت تصرخ: من الذي مزق حبل الغسيل؟ قلت: لست أنا يا أمي، لقد وجدته هكذا، نعم أقسم لك أني وجدته هكذا. بسهولة انطلت الكذبة على أمي فنجوت من العقاب.

كم أنت رحيم يا إلهي! هكذا بوسعي أن أكذب في كل مرة حتى يسلم جلدي من العقاب.

كانت تلك اللحظة بداية مرحلة الكذب في حياتي. أصبحتُ أكذب على أمي باستمرار حتى أنجو من عصاها، ثم بدأتُ أكذب عليها في السرّاء والضرّاء، وفي المنشط والمكره.. والمستغرب أنّها ظلت تصدقني على الدّوام. لربّما علقت في ذهنها صورة ذلك الطفل الذي لم يكن يعرف معنى الكذب. غير أني بالموازاة، كنت أشعر بوخز في كبريائي الشخصي، كنت أشعر بأني بدأت أخسر احترامي لنفسي الذي كنت أستمتع به قبل بداية حقبة الكذب. وهكذا، بدأ يراودني الحلم بأن أعود ذلك الشخص الذي لا يعرف معنى الكذب. فهل مثل هذه العودة ممكنة بعد أن فقدتُ براءتي الأصلية؟

إلى الآن، مازلتُ في طور المحاولة، أحاول بصعوبة وعناد أحيانا، وأعيش على أمل ألا أشيخ قبل أن أستردّ براءتي التي فقدتها بسبب عصا أمي. ومن يدري؟ لعلها ستكون معركة آخر العمر في الحساب الأخير.. المهم أن أكسبها.

24