عندما تتدلى فاكهة الفكر شعرا

الأربعاء 2014/01/29
محمد أنوار محمد: كثافة اللغة وخصوبة الخيال

روتردام- عن “منشورات وزارة الثقافة المغربية”، ضمن “سلسلة إبداع"، صدر أواخر السنة الماضية 2013، ديوان جديد للشاعر المغربي محمد أنوار محمد بعنوان “في فرضية عمياء”؛ والديوان هو الثاني بعد “أحتمل الوجود” الصادر عن دار الأمان بالرباط سنة 2008، ونال هذا الديوان جائزة الإصدار الأول التي يمنحها بيت الشعر في المغرب.

محمد أنوار محمد، هو شاعر مغربي من مواليد قرية تملوكيت بمنطقة كتامة – إقليم الحسيمة، سنة 1972. يكتب الشعر والقصة، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان “مدينة في الشهر التاسع″ عن دار “الأمان” بالرباط سنة 2012.


محاورة الذات


يبدأ الدّيوان بالقصيدة الحاملة لعنوانه ”في فرضيّة عمياء”، ويدخل القارئ إلى مدار الشعر المحاور للذات. وبعيدا عن الشغف والعاطفة المشحونة بالرغبات والتجاذبات، يحمل الشاعر ذاته وكينونته ككون قابلٍ للتوقف والتجسيد والتحول، ومتعثّرٍ، من حين إلى آخر، في اختراق المنطق الخاضع إلى الواقعية الحاسمة: “متَى أحسن التّصرّفَ/ وأقفز في القصيدة/ ولَا أعود؟”

القصيدة التي تفتح عالمها للشاعر إلى حين، وتُدخله إليها، تقبض عليه وهواجسه، تحرره منها أيضا تاركة إياه لذاته مجدّدا، فيبقى التمني في حيرته متواصلا. نتذكر كلام نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت”: ”كيف أتحمّل كوني إنسانا، إن لم يكن الإنسان أيضا شاعرا، وحالاًّ للألغاز ومخلّصا من الصدفة”. ونستحضر أبطال الروح، الفلاسفة الشعراء، ليبقى هذا الانطباع متواجدا بقوة، مرافقا لنا في قصائد الديوان الأخرى. “أنا” الشاعر الحاضرة بقوة في حالات منها: السلم والحرب والاستكشاف والتأمل، وهي تقترب من جوهرها الرّوحي أكثر من مرة، فتظهر العداء الذاتي مثلا، دون الغوص في التفسير. ليمكث الشعر في غموضه، وتحظى النصوص بميزة الحضّ على التفكير والتأمّل العميقين. يقول الشاعر في قصيدته “الجحيم”: “لكنّي دائما أنجح في إفشال خُططي/ هلْ يمكنُ أن تتوقّع الحياةُ/ بعد هذا أقوالي وأفعالي؟ الجحيم هو أنا يا جُّون/ ولقد كرّستُ حَياتي لمحاربتي/. ويقول في قصيدة “عدوّي”: لِأنّ الوقتَ من الحديد والإسمنتِ/ والأمورُ مُرتّبةٌ، وكلُّ الأحلَام في الكانون/ فأنا الآن عدوّي”.


نفس روحي

وقفات تأملية تأخذ القارئ إلى أزمنة الشاعر الخاصة


العداء الذي يكسر التناغم كَفِيلٌ بخلق تحديات جديدة والحفاظ على الغليان الداخلي. إنّ الشاعر المتفاعل لا يستسلم للوصول، كما تفقد الحياة معناها إن خلصت إلى التسليم بكل ما هو كائن على أنه كائن وغير قابل للتغيير والتدخل في مصيره. يمكن الذهاب عميقا في مسألة معاداة الذات وضرورتها وتجليها واختبائها عند كل فرد، لكن الشاعر حين يعلن ذلك يأخذ القارئ بالرفق والإيجاز اللازمين ليؤدي الشعر وظيفته الروحية النبيلة غير الضاغطة. وقفات الشاعر التأملية الكثيرة تأخذ القارئ إلى أزمنته الخاصة حسب تجاربه. إنها تفتح أبواب تخيلات القارئ سواء تلك البعيدة الجديدة، أو القريبة المألوفة لديه. نجد الطبيعة أيضا حاضرة بجمال مؤثر لتساعدَ في ذلك. يقول الشاعر في قصيدته “خلف العالم”: “خَلْفَ العَالَم، بين غُصونِ شجرةٍ مُضيئة/ يبحثُونَ عنّي في الأرض، وأنا في السّماءْ/ الأسماءُ تسْلُكُ في سُرورٍ البرْزَخَ/ وتنبتُ في رأْسِي كالنّارنْج”.

مكان الشاعر موضع حيرة وتساؤل، وقدرة الشعراء على الانفلات إلى حيثما أرادوا ويريدون مصدر غبطة ونشوة تنتقلان بالقارئ الكائن إلى حيث يشتهي ويحلم حين يفتح له الكلام مساحة أمكنة أخرى.


صناعة الدهشة


الشاعر المتصل بما حوله، الرومانسي تارة، والعائد إلى السريالية تارة أخرى، يستحضر تصاميم الجغرافيا وتجليات الطبيعة الأخرى ليجيد إخراج صوره ويتقن إيقاعه. يقول في قصيدة “حكاية”: “مياهٌ تجْري وتلتفُّ/ إذْ لَا يُوجَدُ في الماءِ فَراغْ/ ولَا يُوجَدُ الماءُ إلّا في فَراغْ. كَذلكَ أعْزِفُ جَنازَةَ العَماءْ/ حِينَ مُنْبَثّاً في الهَباءْ/ بيْنَ الهَواءِ والهَواءْ/ بينَ جَوْف الفَرَاغِ/ وَرِدَاءِ العَراءْ”.

إن الشاعر ينجح في صناعة الدهشة بالمقطع أعلاه، ويكرر الأمر في قصائد أخرى منها تلك الشديدة الإيجاز، فيجمع بفنية السلاسة والمُمْكِن في لوحات شعرية موسومة بالحداثة والجدة. علامات الاستفهام التي تختم سطورا كثيرة في الديوان، لا تعيق خروج دعوات موغلة في الإنسانية والرقة، لتحلق الشاعرية عاليا، كأن يقول الشاعر مثلا في قصيدته ”نزلُ البهاءِ الأبديّة”: “لِنَرمِ حِقدَنا في الرِّيحْ/ ولنسْرحْ جميعًا/ فِي مَرَحٍ/ إلَى نُزُل البَهاءِ الأبديَّة”.

إن الديوان الشعري ”في فرضية عمياء” فسحة شعرية مفتوحة حسب اتساع روح القارئ ولون ذائقته. ومن المؤكّد أن الرهانات في قصائده تختلف عن الكثير من الموجود المتشابه، وتسجل اختلافا محمودا وانفتاحا مطلوبا لا يَعْلَقُ فيه الشعر، بل يتقدم ويغوص مزاوجا بين العميق والممتع.

14