عندما تتراجع التنمية يجد الإرهاب طريقه خارج الأحياء الفرنسية الفقيرة

الجمعة 2015/02/06
تجفيف منابع التطرف في فرنسا، وفي كل مدن العالم، يبدأ بالاهتمام بالأحياء الفقيرة والطبقات الاجتماعية المهمشة

تقدّم دراسة “فتيان الأحياء الفقيرة” قراءة تحليلية مختلفة لأحداث “شارلي إيبدو”، تشرح بتفاصيل دقيقة أسباب هذا العنف الدموي، وخلفيّاته السوسيولوجية والتاريخية، حتى أنها استحضرت العشرية السوداء في الجزائر، وكيف أثرت على مرتكبي عملية “شارلي إيبدو” الجزائريين شريف وسعيد كواشي وغيرهما كثير من المنتسبين إلى التنظيمات الإرهابية.

الآن وقد استفاق الناس من صدمة عملية “شارلي إيبدو”، والآن وقد تلاشت مشاعر السخط والعجز ولم يعد من يشعر بالألم غير الدوائر القريبة من الضحايا، وجب البحث عن إجابة عميقة للسؤال التالي: كيف لشباب فرنسيّ، أن يرتكب مثل هذه الأفعال العنيفة باختيار ضحايا من أجل أفكارهم أو دينهم المفترض أو طريقة لباسهم؟ وماهي داوفع هذا الشباب الذي تربّى على الثقافة الفرنسية، ليرتكب من جرائم القتل كلتك التي ارتكبها محمد مراح في سنة 2012 والهجمة التي نفّذها مهدي نموشي على المتحف اليهودي في بروكسل في مايو الماضي، وما بات يعرف بـجريمة “شارلي إيبدو” التي وقعت في شهر يناير من هذه السنة على أيدي سعيد وشريف كواشي وأميدي كوليبالي وقُتل فيها 28 شخصا بالطلق الناري.

المعلومات الضئيلة التي قدّمتها الصحافة عن مرتكبي هذه الجرائم تعطي فكرة عن حياة أشخاص تدخّل فيها نظام قضاء الأحداث والمصالح الاجتماعية في وقت مبكر عند الحكم على البيئات الأسرية بأنها غير مناسبة أو غير مؤهلة، إذ قضى معظمهم فترة في المآوي الاجتماعية والأسر الحاضنة. وكانت مسيرتهم الدراسية من النوع الشائع لدى الطبقة العاملة الأقلّ مهارة، إذ اتجهوا لمتابعة دورات تكوينية مهنية لم يكملوها.

وللتعويض عن هذا التدنّي في المستوى التعليمي انضمّ بعضهم إلى عصابات الشوارع وتورّطوا في المخالفات البسيطة التي يرتكبونها، مثل سرقة السيارات أو الدراجات النارية، أو السياقة دون رخصة، أو الاعتداء الجسدي أو اللفظي أو السطو على المنازل وسرقتها باستعمال العنف.

دخل كل من مراح وكوليبالي والنموشي السجن لأول مرة عندما كانوا في سن التاسعة عشرة من أعمارهم. ويبدو أن الأخوين الكواشي اللذين تربا في قرية تقع في مقاطعة كوراز لم يدخلا الانحراف إلا في وقت لاحق (مثل تسلم بضائع مسروقة أو بيع المخدرات، مع الاشتغال في السوق السوداء) عند تنقلهم إلى باريس. ودخل شريف كواشي السجن بين سنتي 2005 و2006 في سن الـ 23 من أجل تورّطه في تنظيم يرسل متطوّعين للمحاربة في العراق.

مانوال فالس: فرنسا في حرب على الإرهاب والجهادية والإسلام الراديكالي

الشباب الخمسة تبنوا رؤية عن الإسلام وساحات الحرب البعيدة، وسافر بعضهم إلى سوريا وباكستان وأفغانستان واليمن. ومنحتهم الدعاية إلى الجهاد ودروس الوعظ ومخيمات التدريب نظرة مبسطة إلى العالم مزجت بين تجارب القهر التي مروا بها وتجارب الآخرين (في مالي والشيشان وفلسطين) مع خطاب حضاري يلقي باللوم على اليهود والملحدين عن هذه المتاعب في وحدة متناسقة. وكانت هذه الفكرة عن الدين جذّابة لأنها جعلتهم واعين بوضعهم وقدمت سبيلا للتحرر منه، وهو ما أعطى حياتهم “أسمى”.


الأمر معتاد


تشابه حياة هؤلاء الشباب دفعت الخبراء إلى محاولة تصنيف أعمالهم باعتبارها “إرهاب مهمّشين” وإرهاب عصابات”. بيد أن خصائص حياة هؤلاء الشباب لا تبدو غير اعتيادية، إذ تتطابق مع حياة “جيل الأحياء الفقيرة” التي ينتمي إليها المتّهمون (كلهم من مواليد الثمانينات) التي تتميز بالإقصاء وصعوبة الحصول على الوظائف والفصل الفضائي والتفتيش من قبل الشرطة والعلاقات الاجتماعية المنحصرة في المجموعة الإثنية التي ينتمون إليها وتضاؤل الاهتمام بالالتزامات السياسية لمن هم أكبر منهم.

لذلك، فإن الشيء المفاجئ ليس قرار ارتكاب أعمال العنف تلك بقدر ما هي ندرته. وكتبت السوسيولوجية السياسية، آني كولوفالد، والمختصة في العلوم السياسية، بريجيت غايتي، تقولان “يجب اقتفاء أثر الظاهرة قبل التمكّن من تفسيرها. وذلك يعني الابتعاد عن سؤال ‘لماذا’ وطرح السؤال ‘كيف’”.

ويشير السوسيولوجي هاورد بيكر إلى أن القرار النهائي للتحرك هو آخر قرار في سلسلة طويلة من القرارات، وليس منها قرار واحد بمفرده يبدو غريبا.

وكما فعل المؤرخ كريستوفر براونينغ، الذي بين بأي آليات تحوّل “رجال عاديون” من كتيبة احتياطي الشرطة رقم 101 في ألمانيا إلى قتلة بدم بارد بين يوليو 1942 ونوفمبر 1943، نحن في حاجة إلى إعادة بناء التجارب الخاصة بحياة أولئك الذين نفّذوا الهجمات وعالمهم.

الإرهاب "متاح للجميع"
باريس – يبدو أن الإرهاب "المتاح للجميع" الذي تطرق إليه وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف، الثلاثاء، بعد الاعتداء على جنود أثناء عملهم في مدينة نيس، ينم عن مخاطر من الصعب مواجهتها، وفق ما يرى خبراء.

لم يعد “طلاب الجهاد” بحاجة إلى التدريب أو السلاح أو حتى التعامل مع شبكات إرهابية كلاسيكية، بل باتوا يتحركون اليوم بأنفسهم مستخدمين الوسائل المتوافرة لديهم بعدما تحولوا إلى متطرفين عبر الدخول فقط إلى الإنترنت.

هذا ما اعتبره كازنوف “تغييرا في طبيعة الإرهاب”. وشرح كازنوف أنه “في بداية التسعينات، كانت هناك مجموعات منغلقة على نفسها تتحرك آتية من الخارج وتنفذ الاعتداءات. أما اليوم فإن 90 في المئة من المنخرطين في أنشطة إرهابية داخل الاتحاد الأوروبي يتورطون بذلك بعد الاستخدام المتكرر للإنترنت”.

ويقر الرئيس السابق لوحدة مكافحة الإرهاب لويس كابريولي بأنه “في الحقيقة، ما علينا أن نفهمه هو أن الإرهابيين يتصرفون حسب الظروف وبالاعتماد على ما يمتلكونه”، وأضاف “لقد هاجموا صحيفة شارلي إيبدو بأسلحة كلاشينكوف لأنه من السهل حيازتها، وإذا كانوا يستطيعون إنزال سيارة تحمل مئة كيلوغرام من المتفجرات في شوارع باريس، فإنهم سيقومون بذلك”.

بفضل الإنترنت أصبح بوسع “القاعدة” و“الدولة الإسلامية” حث أشخاص لم تكن هناك يوما علاقة مباشرة معهم سوى عبر فيديوهات منشورة، على التحرك وتنفيذ هجمات.

وبالنسبة إلى توماس هيغهامر، مدير الأبحاث المتعلقة بالإرهاب في المؤسسة النروجية لدراسات الدفاع في أوسلو، فإن ما يحصل عبارة عن “ظاهرة نشهدها منذ سنوات عدة: الإرهاب الفردي. هو عبارة عن أشخاص يتحولون إلى متطرفين عبر الإنترنت وليست لديهم علاقات مع شبكات قائمة ولكنهم برغم ذلك يعتدون“.

ويضيف هيغهامر أن “هناك العديد من الأمثلة، وبإمكاننا أن نطلق على هذه الظاهرة الجهاد الفردي، وهو أمر يدعو إليه القادة الجهاديون منذ مدة. وتنشر مجلة انسباير تلك الدعوات منذ العام 2010: التنفيذ دون استشارة أي أحد”.

استعملت في الهجمات مهارات كان الأفراد قد تعلّموها من قبل، وهي كيفية سرقة سيارة وطريقة الحصول على أسلحة نارية واستعمالها، وهي معرفة يمكن نقلها. كما عكست الطرق المستعملة عادات تكوّنت لديهم أثناء فترة انحرافهم، إذ كان الاستطلاع غير دقيق وشملت خطط الهرب العودة إلى المنزل فقط، وعند تعذّر ذلك هاموا دون هدف، ويبدو أن الشرطين الحقيقيين كانا رباطة الجأش اللازمة لتنفيذ الهجوم والقدرة على قيادة السيارة بسرعة.

إن فهم اعتيادية هذه الطرق من التحرك وشرعيتها لدى من يستعملها خطوة مهمة في طريق فهم كيفية نقلها إلى مستهدفين آخرين، بالرغم من أن ذلك ليس كافيا. إن رغبة كوليبالي في “النيل من الشرطة” بينما كان الأخوان كواشي يهاجمان مقر “شارلي إيبدو” ترجع إلى كرهه للنظام الذي قتل أعز أصدقائه، علي الرزقي، أمام عينيه، في سنة 2000 عندما كان الشابان يحمّلان شاحنة بدراجات نارية مسروقة.

يمكن الرجوع بهذا العنف السياسي إلى الحرب الأهلية الجزائرية حيث انطلق صراع شديد العنف في سنة 1991. وبحلول سنة ألفين كانت المواجهات بين الجيش والجماعة الإسلامية المسلحة قد أودت بحياة عشرات الآلاف وأدّت إلى عمليات نزوح كبرى. كما أثّرت الحرب على العائلات الجزائرية التي تعيش في فرنسا والتي ينتمي إليها مراح والنموشي وكواشي.

كان عبدالغني مراح الأخ الأكبر لمحمد مراح قد ألف كتابا يصف فيه عطلة قضاها في واد بزاز حيث كانت عائلة أبيه المساندة للجماعة الإسلامية المسلحة تتباهى بأسلحة نارية وفي بعض الأحيان بـ “جندي أو مدني رأسه مقطوعة”. كما يصف الضغوط التي مارسها أحد أعمامه المقيم في مدينة تولوز لكي تغادر أخواته المدرسة ويرتدين الحجاب ويبقين في البيت.

تستعمل التعاليم الدينية في فرنسا لإرجاع الأطفال المتحررين جدا (بخصوص الأماكن التي يرتادونها أو اختيارهم للأصدقاء أو طريقة اللباس) إلى الطريق السوي، وفي ذات الوقت تعبيرا عن المساندة السياسية للمجموعات المسلحة مثل مجموعة جمال بغال، الذي التقى به شريف كواشي وكوليبالي في مركز فلوري ميروجيس في سنة 2005، ويقال إنه كان معلّمهما.

وكان بغّال المولود في سنة 1965 عضوا في شبكة المساندة للجماعة الإسلامية المسلّحة في فرنسا واعتقل لذلك السبب سنة 1994. ويتّهم بأنه كان أحد عناصر المجموعة المتكوّنة من 14 شخصا (بمعية كوليبالي وشريف كواشي) التي قامت بالتخطيط لعملية التهريب الفاشلة لإسماعيل آية علي بلقاسم من السجن في سنة 2010، وهو خبير في الذخيرة كان وراء تفجيرات مترو باريس سنة 1995. وأثناء وجوده في السجن التقى كواشي كذلك بفريد ملوك الذي كان يقضي عقوبة من أجل توفير الدعم اللوجستي للهجمة.


في طريق أرض الجهاد


هذه اللقاءات تقيم الوصل بين مختلف أجيال الناشطين السياسيين الإسلاميين وتجعل خياراتهم جزءا من تاريخ أطول من الانتصارات والهزائم وتغييرات الاتجاهات. في سنة 1995 طمحت الجماعة الإسلامية المسلحة في تحقيق الانتصار العسكري والسياسي في الجزائر. وكان الهدف من تفجير محطة النقل العمومي في باريس إجبار الحكومة الفرنسية على خفض دعمها للنظام العسكري في الجزائر.

فرنسا تسعى إلى فهم لماذا وكيف وصل شبابها إلى هذه الحدود القصوى من التطرف

وبعد بضعة سنوات تغيّر الوضع، إذ تمّ هزم الجماعة الإسلامية المسلحة، وكانت جماعة الدعوة والجهاد التي أنشئت سنة 1998 تزداد ضعفا تحت هجمات الجيش الجزائري، وهو تراجع سياسي وميداني يفسّر قرارها بالانصهار مع القاعدة سنة 2007 تحت اسم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتغيير استراتيجيتها. وتركّز هذه الجماعة عمليّاتها حاليا على الصحراء الكبرى ومالي والنيجر وتتمثل خاصة في اختطاف الرعايا الغربيين، وبالنسبة إلى الناشطين المقيمين في فرنسا أو بقية البلدان الأوروبية تواصلت القضية في الوجود لكنها تأخذ طريقا مختلفا بالتحوّل (وفي بعض الأحيان الذهاب) إلى “أرض الجهاد” أو الانتقال إلى “دعاية الفعل”.


ليست حربا


باتخاذ موقف حربي، يقيم السياسيون الدليل على عدم اتعاظهم بالدروس من التاريخ، مثلما فعل رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس الذي قال إن “فرنسا في حرب على الإرهاب والجهادية والإسلام الراديكالي”.

لكن، وبالرغم من مأساوية الوضع فإنها ليست بحرب، إذ مازالت الأمور تحت سيطرة الشرطة والقضاء. لقد تم اعتقال الفاعلين والمتعاونين معهم بسرعة ومن المعقول افتراض تكرار الشيء نفسه إذا حدثت أعمال إرهابية أخرى.

الكلام الحربي يفترض الاستقطاب نظرا إلى أنه يقوم على الحشد الشعبي ضد عدو مشترك. لكن في هذه الحالة قد يأتي الاستقطاب بنتائج عكسية، إذ يخلق خطابين متعارضين: خطاب السلط (إما أن تكون معنا أو مع “الارهابيين”) وخطاب القائمين بالعنف السياسي (إما أن تكون معنا أو أنت مسلم/ قومي/ ثوري سيء)، بيد أن “العلاقة بالإرهابيين” تفترض ثلاثة مشاركين: الصدام بين الطرفين الأولين ويحدث أمام أعين الأغلبية (غير المكترثة غالبا) التي تصبح متفرجة بفضل الإعلام، وهذا الابتعاد يحول دون انتشار العنف، خاصة عندما لا تكون للمجموعات الأصولية قاعدة اجتماعية وميدانية قوية، لكن الضغوط للتعبير عن الإدانة الجماعية قد تشجع أغلبية المتفرجين على التعاطف مع أهداف التنظيمات المستهدفة وحتى الانضمام إليها.


أستاذ مساعد في العلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية للسياسة في جامعة باريس

7