عندما تتطاير الأفكار

من يقرأ كتابات إدوارد سعيد سيكتشف بسهولة الكمّ العظيم من الأفكار المتباينة التي يجمعها بطريقة بارعة تحت ذات العنوان المعرفي الذي يتصدى لدراسته وتحليله.
الأربعاء 2018/05/02
شخصية ثقافية عالمية الأبعاد

لا تكاد تفارقني تفاصيل ذلك المشهد الفريد من نوعه في فلم “الآخر” للمخرج يوسف شاهين، حيث يظهر فيه الناقد والمفكر إدوارد سعيد، متحدّثاً بطريقة تدعو إلى التفكّر والتساؤل.

كان سعيد يتحدّث بطريقة سريعة تبدو فيها أفكاره وكأنها تنثال انثيالاً من معين لا ينضب، وكنت أتساءل هل هذه هي طريقة إدوارد سعيد في التعبير عن أفكاره أم هي محض استجابة لسطوة شاهين الإخراجية التي يُسقط معها شخصيته وطريقة حديثه الديناميكية الدافقة على الممثلين ليتحولوا إلى نسخٍ عنه؟

 تلك ميزة نعرفها في جميع أفلام شاهين لا يمكن أن يتجاهلها كل مهتمّ بالفن السينمائي وأفلام شاهين بخاصة؛ إنما يبقى الأمر عصياً على الفهم مع شخصية ثقافية عالمية الأبعاد كشخصية إدوارد سعيد، التي يعدّ ظهورها في فيلم سينمائي تكريسا لجودة ذلك الفيلم وتصريحا بعلوّ شأنه. ثمّ ماذا عن شاهين ذاته هو الآخر، ولِمَ تبدو الأفكار لديه مثل شلّال دافق يتناول الكثير من الأفكار والموضوعات في أقلّ مساحة زمنية متاحة؟

يشيعُ في أدبيات علم النفس المرضي (الإكلينيكي) اصطلاح يُسمّى “طيران الأفكار”، وتلك سمة تختص بها بعض الاضطرابات الذهانية لبعض الأفراد الذين تبدو عليهم علامات الانتقال من موضوع لآخر بطريقة كيفية من غير روابط منطقية متماسكة تسوّغ تلك الانتقالات، ومن أجل ذلك يوصف هؤلاء الأفراد بأنهم ذوو تفكير سطحي غير رصين ولا يُنتظرُ منه نتائج فكرية ذات شأن.

ضرورة مغادرة المواضعات الراسخة التي تقرن بعض الأفعال الفردية باضطرابات سايكولوجية مشخّصة وبطريقة قسرية

لكنْ من جانب آخر ثمة وجهة أخرى يمكن معها أن نطلّ على موضوعة “طيران الأفكار” تلك، إذ يبدو أنّ بعض الأفراد في هذه الحياة مسكونون بهاجس التفكير اليومي، بل وحتى اللحظوي الدائم، بالعلاقات المتعددة الخفية التي لا يراها معظمنا بين موضوعات قد تبدو متباعدة لا رابط منطقياً بينها، وعندما تُتاحُ لهم الفرصة للحديث عن مثل تلك العلاقات يحصل أنهم يتحدثون بطريقة يبدون معها وكأنهم يتنقّلون من غير هدف محدّد بين موضوعات مشتبكة كثيرة، ويبدو أنّ سمة التكلّم السريع المتواتر والمكثّف خصيصة تسم هؤلاء لأنهم يريدون تمرير أكبر قدر من الأفكار في أقلّ حيّز من الوسيط المتاح لهم، وقد يكون ذلك الوسيط لقاءً تلفزيونيًّا أو مشهداً في فيلم سينمائي، وليس الأمر مقتصراً على الوسائط المرئية بل يتعدّاه إلى الوسائط المكتوبة.

ومن يقرأ كتابات إدوارد سعيد سيكتشف بسهولة الكمّ العظيم من الأفكار المتباينة التي يجمعها بطريقة بارعة تحت ذات العنوان المعرفي الذي يتصدى لدراسته وتحليله، وفي السياق ذاته يمكن فهم الملاحظة التي جاءت على لسان الفنّان عمر الحريري في أحد لقاءاته التلفزيونية عندما ذكر أنّ شاهين يريد التعبير عن كلّ مشاكل العالم وحقائقه الوجودية منذ بدء الخليقة في خلال الساعتين الاثنتين اللتين يستغرقهما كلّ فيلم في العادة.

تدعونا الملاحظات السابقة للتفكير في جملة من الموضوعات وبخاصة في شأنين اثنين: الأول هو ضرورة مغادرة المواضعات الراسخة التي تقرن بعض الأفعال الفردية باضطرابات سايكولوجية مشخّصة وبطريقة قسرية، وأما الشأن الثاني فيختصّ بتأصيل مرجعيات مبحث السايكولوجيا المرضية وضرورة إعادة دراستها على ضوء المكتشفات الحديثة في علوم البيولوجيا الجزيئية والإدراك المعرفي، وربّما سنشهد في السنوات القليلة القادمة إعادة ترسيم كاملة لكلّ ما يختص بالإبداع وكيفية عمل الدماغ البشري.

14