عندما تتمرد الأمهات في مصر لا بد لمناهج التعليم أن تتغير

لم يكن التخطيط لتغيير المناهج الدراسية في مصر بالأمر السهل على واضعي السياسات التعليمية، على الأقل في الوقت الحالي، لأسباب عديدة تتعلق بالتمويل المادي ووجود أولويات أخرى أهم، مثل بناء المدارس وتوفير التجهيزات. لكن عندما تمردت الأمهات ضد طبيعة المناهج الحالية وخطورتها على مستقبل الأبناء ونشأتهم وبناء شخصياتهم، تحركت الأجهزة المسؤولة ووضعت خطة لتطوير هذه المناهج التعليمية على صدارة أولوياتها.
الاثنين 2016/03/28
ثورة متأخرة

بعد عرض وزارة التعليم ملامح تطوير المنظومة، وجدت نساء مصر أن المناهج تبدو وكأنها غابت عن اهتمامات القائمين على وضع السياسة التعليمية، فلجأن إلى مواقع التواصل الاجتماعي لإجبار الحكومة على إعادة النظر في طبيعة هذه المناهج وتغييرها قبل حلول العام الدراسي المقبل، وما أثار غضبهن أن المسؤولين في مصر تعاملوا مع مطلبهن بنوع من الاستخفاف.

خلال أقل من أسبوع، تحولت صفحة “ثورة أمهات مصر لتغيير المناهج”، إلى ما يشبه “خلية نحل”، حيث وصل عدد الأمهات المشتركات في الحملة قرابة 50 ألف أم توحدن على هدف واحد، بأن يتم الضغط على الحكومة لـ”فرم” مناهج الأطفال الصغار، التي تغيّب عقولهم وتنمي العداء بداخلهم تجاه المجتمع، وتمحي شخصياتهم.

وأمام عزيمة الأمهات على كشف ما أسموهن “فضائح المناهج التعليمية”، فقد تبدلت ردود الفعل الرسمية وأكد مسؤولون أنه تم وضع خطة مثالية لتطوير المناهج وحذف الدروس التي اعترضت عليها الأمهات، ودراسة التعليقات التي وردت من جانب كل أم، ذكّرن خلالها بمساوئ هذه المناهج.

وقال الهلالي الشربيني وزير التربية والتعليم، إنه يتابع ثورة الأمهات بنفسه، وسيتم النظر في كل الشكاوى التي وردت على “صفحة ثورتهن على المناهج”.

هذا التكتل النسائي الذي هزم توجهات الحكومة، أصبح مصدر معلومات ثري لدى الصحف والمواقع الإخبارية، وجرى الاتفاق بين الأمهات على أن تقوم كل واحدة منهن بعرض تجربتها “المريرة” مع ابنها أثناء المذاكرة، ونظرته للتعليم بشكل عام، وكيف يحدثها الطفل عن المنهج والمدرسة.

وبالفعل فقد عرضت كل أم تجربتها خلال الصفحة بشكل “درامي حزين”، يكشف خطورة وضع المناهج الحالية على مستقبل أبنائهن، وأصبحت كل قصة على حدة مثار حديث المواقع الإخبارية ومثلت إحدى وسائل الضغط التي اتبعنها هؤلاء النسوة.

منال عمر، إحدى مؤسسات حملة “تمرد الأمهات”، قالت إنه لأول مرة تتحرك نساء مصر نحو هدف واحد حفاظا على مستقبل أبنائهن، ما يعني أن التغيير قادم لا محالة. وأضافت “الأمهات لن تسمحن مجددا بالتلاعب بأبنائهن، ولن يستطيع أحد أن يقف أمامهن لأجل أن تعاد هيكلة المناهج بالكامل، فالأمر عندما يتعلق بالابن أو الابنة، لا مجال للمساومة أو التأخير”.

وقالت لـ”العرب” إن أمهات مصر هن من يعرفن المناهج على حقيقتها أكثر من المعلمين أنفسهم، وما دمن عقدن العزم على التغيير، فإنه سيأتي رغما عن أنف الجميع، فلا يمكن أن ترى الأم ابنها يبكي ويصاب باليأس والإحباط والعجز عن التفكير وتصمت دون أن تدخل “الحرب من أجل تصان حقوقه من الانتهاك”.

عرضت كل أم تجربتها خلال الصفحة بشكل "درامي حزين"، يكشف خطورة وضع المناهج الحالية على مستقبل أبنائهن

منال أوضحت أيضا “أن الأم هي التي تذاكر للطفل وتستمع إليه في المنزل وتعرف مشكلاته في المدرسة أكثر من الأب، وعندما أجد أن ابني معقد نفسيا ويكره التعليم بسبب المناهج العقيمة فلن أتركه كذلك، وإن كانت الحكومة ترفض التغيير. فتوحد الأمهات سيجبرها على تغيير السياسة ولا يوجد على وجه الأرض أغلى من الابن”.

وتستهدف هذه الحملة بالأساس، نزع كراهية التعليم لدى الأطفال حتى يتسنى لهم الاستمتاع بفترة طفولتهم، بحيث لا تفقد الأم عطفها وحنانها وصحتها من أجل تعليم أطفالها أمورا لن تفيدهم في مستقبلهم.

وكان التساؤل العام لماذا يردد الطفل منذ الصغر كلمات أكبر من سنه على غرار “مللت” و”تعبت” و”كرهت”؟، فماذا يفعل عندما يكبر؟ وهل هو قادر على تحمل المسؤولية مستقبلا؟ أين الجانب الجمالي للحياة في مثل هذا العمر؟ وغيرها من الأسئلة الأخرى التي لاقت صدى مع ثورة هؤلاء النسوة نحو تغيير النماذج التعليمية التي لا تواكب تطور سلوك الطفل التربوي الأخلاقي.

وبدا أن اهتمام الرأي العام بهذا “التمرد النسائي”، جعل نائبات البرلمان وعددهن 89، يعلن التضامن مع “أمهات مصر”، ويعقدن العزم على تبنى الحملة بشكل مستمر داخل البرلمان للضغط على الحكومة، حتى تقوم بتغيير السياسة التعليمية. حيث عزمت كثيرات على استجواب المسؤولين عن المنظومة التعليمية في مجلس النواب، لحماية عقول الأطفال وصون مستقبلهم واستقرارهم داخل المجتمع.

منى عبدالعاطي، عضو لجنة التعليم في البرلمان، قالت إنه لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الإيجابي الذي قامت به المرأة المصرية في الحركة السياسية منذ ثورة 25 يناير 2011، مرورا بثورة 30 يونيو 2013، وقبلهما في ثورة 1919، وكان للمرأة المصرية دور كبير ومؤثر في جميع الثورات، ما يجعل من نجاح تمردهن على وضع أسس جديدة للتعليم مسألة ضرورية خلال هذه الحملة.

وأشارت في تصريح لـ”العرب” إلى أن المسؤول الذي يتجاهل الاستماع للأمهات المصريات عندما يثرن على مواقع التواصل الاجتماعي، هو خارج حسابات الزمان والمكان، خصوصا أنهن يبحثن عن مطلب شرعي يستهدف نمو المجتمع بأسره والحفاظ على شخصية الطفل وكيانه من دون إصابته باليأس.

وأكدت أن نجاح الحملة سوف يقضي على سنوات عجاف من تجاهل المسؤولين لتطوير التعليم، فالأمهات عندما يتوحدن من المهم أن تستجيب الحكومة لطلباتهن، خاصة أنها مشروعة، كما أن وجود رئيس للدولة يقدر ويحترم قيمة المرأة ودورها في التنمية، يجعل من تغيير السياسة التعليمية أمرا حتميا في القريب العاجل.

21