عندما تجتمع أضلاع المثلث: الإعلام والسلطة والمال

الكثير من الروايات تطرقت في مصر إلى أحداث الواقع، فتناولتها من جوانب مختلفة قصد تعريتها، وكأن السرد الروائي مرآة فنية يمكنها اختزال الواقع بشكل أكثر سلاسة ونجاعة، لكن يبقى منوطا بالروائي أن يشكل عالمه الذي يقتبسه من الواقع بشكل فني خارج التاريخ، ليبلغ الغاية المنشودة من كتابة فنية إبداعية تأريخية، تتخذ لها رموزها وعوالمها في إطار من الجمالية.
الخميس 2017/09/28
عاقبة الشر الانتقام (لوحة للفنانة سارة شمة)

القاهرة - تتصدى رواية “البلاط الأسود” للروائي والصحافي المصري ناصر عراق لقضية تلاعب رأس المال بالإعلام واستغلاله في توجيه الرأي العام، وكذلك علاقة الأمن بالإعلام، وهو ما يقدمه المؤلف في أحداث روايته التي يؤطرها قالب اجتماعي وسياسي يمتد على مدى نحو ربع قرن.

أضلاع المثلث

الرواية الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية في 311 صفحة من القطع المتوسط هي الأحدث لناصر عراق، الذي حصد العام الماضي جائزة كتارا للرواية العربية، عن رواية “الأزبكية” والتي سبقتها أعمال روائية عديدة نذكر منها “العاطل” و”أزمنة من غبار” و”من فرط الغرام” و”تاج الهدهد” و”الكومبارس” وغيرها.

تبدأ أحداث الرواية عام 1991 متتبعة شخصية صالح رشدي، الطالب في السنة النهائية بكلية الإعلام، والذي توفي والده وترك له عبء أسرة صغيرة من أم وشقيقين، فاضطر إلى العمل في العطلات الصيفية حتى يتدبر مصاريف الحياة.

بمرور الوقت تتضح المفارقة بين اسم بطل الرواية “صالح” وصفاته، فهو تواق إلى المال والشهرة، حتى على حساب أقرب الناس إليه. وكان أول من دهسه قطار رغباته المجنونة خاله عبدالمقصود الجنايني، فأبلغ عنه جهاز أمن الدولة متهما إياه بالانتماء إلى الجماعات الإرهابية.

من خلال هذه الحادثة يكتسب صالح ثقة الأمن، ويصبح عينا له على زملاء له في عالم الصحافة وعينا على المجتمع بشكل عام، فتتحقق رغباته رويدا رويدا ويصبح صحافيا في مؤسسة قومية عريقة، ويرتقى سريعا بعد إثبات جدارته في التجسس على زملائه ورؤسائه بالعمل.

وعلى المستوى الشخصي يقترن صالح بزميلته في الدراسة منال الصياد، التي تنتمي إلى عائلة مترفهة ماديا، لذا استغل حداثة سنها وضغط عليها للزواج في شقة أسرتها، ليبتزها بعد ذلك ماديا ويقترض منها حتى ثمن “الشبكة”، لكنه بعد أن يصبح فردا من الأسرة يعيث فيها فسادا.

السرد في الرواية ينساب في خطين متوازيين؛ الخط السياسي على لسان البطل صالح، بينما تتبنى منال سرد الخط الاجتماعي

في أجواء تعيد إلى ذهن القارئ رواية نجيب محفوظ “اللص والكلاب” التي انقلبت فيها ولاءات الصحافي رؤوف علوان وشعاراته. تزداد شهوة المال والشهرة في رأس الصحافي الفاسد صالح رشدي، بعد تحالف رجل الأعمال رامي الحلواني مع جهاز أمن الدولة، لتكتمل أضلاع المثلث: الإعلام والسلطة ورأس المال.

ويؤسس الحلواني مع صالح صحيفة مستقلة باسم “لحظة بلحظة”، تساند نظام “الرجل الكبير”، كما أحب مؤلف الرواية تسميته، وتمهّد لتوريث ابنه الكبير حكم البلاد.

تنساب الرواية بعد ذلك في خطين متوازيين يسردهما صالح ومنال بالتبادل، فيتابع القارئ الخط السياسي على لسان صالح، بينما تتبنى منال سرد الخط الاجتماعي.

تهب رياح التغيير دون توقع في 2011 فيسقط نظام “الرجل الكبير”، ويتحول صالح وصحيفته إلى تأييد التيار الإسلامي، ثم يصبح من مناصري “أول رئيس مدني منتخب”، بل ويصبح اسمه مطروحا لتولي منصب وزير الإعلام.

مرة أخرى يسقط النظام بعد عام واحد، ويأتي نظام جديد فيغير صالح جلده وسياسة صحيفته المستقلة، ليلعن التيار الديني ويمجد حركة “تمرد” وشباب مصر الواعي الواعد.

الجانب المظلم لصحافة السلطة

التغيير والانتقام

استطاع صالح على مدى 25 عاما التغير والتبدل ومواكبة كل التغيرات مثل لاعب سيرك محترف لكن جرائمه كانت تطارده في الأحلام التي تحولت مع الوقت إلى كوابيس، كان بطلها خاله الذي انتهت حياته بالإعدام، ولحقت به شقيقته أم صالح، التي ماتت كمدا على أخيها المظلوم.

تنتقل كوابيس صالح من عالم الخيال إلى أرض الواقع متجسدة في حذيفة ابن خاله الذي كان رضيعا حين اعتقل الأمن أباه، وعاد اليوم شابا ضخم الجثة ذا لحية سوداء وملامح تشبه الأب الراحل.

على مضض يتقبل صالح طيف الماضي الأليم الذي زاره بعد أن توفيت زوجة خاله وأوصت ابنها بالذهاب إلى قريبهم الصحافي الشهير بالقاهرة، فيصدر صالح قرارا بتعيينه في صحيفته المستقلة، حتى يكون دوما أمام عينيه ويأمن جانبه لكن الأحداث لا تسير كما يشتهي، فتأتي الضربة القاسمة من صاحب الحق الذي عاد لينتقم لأبيه.

الرواية جاءت سلسة لا تحمل عقدا تحيّر القارئ أو منعطفات مثيرة، إلا إذا ظل القارئ منشغلا بمطابقة سمات صالح رشدي الشخصية والمهنية على العشرات من الصحافيين الذين صعدوا بسرعة الصاروخ وسقطوا سريعا خلال السنوات الماضية.

حتى النهاية تأتي متوقعة بانتصار الخير على الشر والانحياز للحق على حساب الزيف والفساد، لكن بقراءة أكثر تأملا للتفاصيل يدرك القارئ كيف نجح المؤلف في مزج العام بالخاص، واستعراض أوجه القصور الذي شاب الإعلام قبل انتفاضة 2011 في مصر، والتغيرات المتسارعة المتناقضة في السنوات القليلة التالية.

14