عندما تخطئ الغارديان من يصحح لها

الأربعاء 2015/01/07
الغارديان وسؤال المهنية الكبير

لندن - وقعت صحيفة الغارديان البريطانية، في خطأ مهني يحسب على تاريخها العريق، في قضية تصريحات المحامية الدولية أمل كلوني حول “تهديد السلطات المصرية لها بالاعتقال”، والتي تم التلاعب بها وتنكر لها كاتب المقال، ملقيا باللوم على إدارة التحرير.

أثار اعتراف مراسل صحيفة الغارديان البريطانية في القاهرة بأن أخطاء تحريرية أدت إلى تحريف تصريحات المحامية الدولية أمل كلوني حول “تهديد السلطات المصرية لها بالاعتقال” عن مسارها الصحيح جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية المصرية، التي اعتبرت أن المراسل باتريك كينغسلي تعمد التلاعب بتصريحاتها.

وقال كينغسلي في تغريدة على حسابه في تويتر إن هناك أخطاء تحريرية في العنوان والمقدمة تسببت في عدم دقة تصريحات أمل كلوني، وحاولت تصحيحها بمجرد علمي بذلك.

وكانت صحيفة الغارديان البريطانية قد نشرت تقريرا من إعداد مراسلها في القاهرة باتريك كينغسلي يوم الجمعة، قالت فيه إن المحامية والناشطة الحقوقية تلقت تهديدات واضحة من قبل السلطات المصرية بأنها “تواجه خطر الاعتقال” إذا ما وجهت انتقادات للأجهزة الأمنية والقضاء.

لكن كلوني عادت وانتقدت التقرير الذي نشرته الغارديان في تصريحات لموقع “هافنغتون بوست” الأميركي الإخباري، ونفت أن تكون الحكومة المصرية قد وجهت لها أي تهديدات.

وقالت كلوني إن “أصدقاء من النشطاء المقيمين في القاهرة نصحوني بذلك، والحكومة المصرية ليست لها أي صلة بالموضوع”.

وجاءت تصريحات كلوني بعدما طالبها هاني عبداللطيف المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية المصرية أن تكشف عن الشخصية المسؤولة التي وجهت إليها تلك الاتهامات. وحاولت “العرب” الحصول على مزيد من الإيضاحات من باتريك كينغسلي في القاهرة خاصة أن جوهر التقرير مازال يحتوي على نفس الأخطاء دون أي تعديل. لكنه ألقى بالمسؤولية على قسم الشكوى بمكتب “الغارديان” في لندن ولم يشأ الإفصاح عن المزيد.

وكينغسلي صحفي شاب حاصل على عدة جوائز من منظمات صحفية بريطانية مستقلة، لكنه واجه الكثير من الانتقادات والاتهامات بالانحياز والافتقار إلى المهنية في الآونة الأخيرة.

ومن بين هذه الاتهامات تحريف لتصريحات بعض المسؤولين حول قضايا برزت على الساحة المصرية مؤخرا، كان أهمها مداهمة السلطات لأماكن اعتبرت أنها تستغل لصالح ممارسة “الشذوذ الجنسي”.

ولعل قضية كلوني جاءت لتطرح إلى النقاش بشكل عام دقة نقل المحرر لتصريحات المتحدث بطريقة تتسق مع السياسة التحريرية العامة للمؤسسة الاعلامية التي يعمل بها، وهما عنصران لم يستطع مراسل الغارديان في القاهرة أن يحكم العلاقة بينهما.

ياسر عبدالعزيز: أخطاء الغارديان تزعزع مكانة أي وسيلة إعلامية كبيرة

ولم يتمكن كينغسلي على ما يبدو من خلق حالة من التوازن تضفي المزيد من الانضباط على تقريره الصحفي، الذي أثار ضجة إعلامية كبيرة اذ تناوله عدد كبير من وسائل الاعلام حول العالم باعتباره حقيقة وقعت بالفعل.

وأثارت تصرفات كينغسلي الريبة في مناسبات عدة، خاصة فيما يتصل بالصراع بين النظام الحاكم في مصر وجماعة الإخوان المسلمين. ويقول متابعون لتقاريره إنه لم يلتزم الحيادية في تناوله للقضية بين طرفيها.

وقال الإعلامي ياسر عبدالعزيز في تصريحات لـ”العرب” إن “الإعلام الغربي بشكل عام مازال قادرا على الإلهام حول تمسكه بدرجة من الالتزام بالقيم المهنية”.وأضاف “لكن في تغطية ما يسمى بالربيع العربي هذه القدرة أخذت في التراجع شيئا فشيئا”.

لكن صحيفة “الغارديان” بشكل خاص كان لها النصيب الأكبر من الانتقاد الموجه لسياسات الصحف وتقاطع مصالحها مع تيارات سياسية محددة توافقت أجندتها إلى حد كبير مع سلسلة التغطيات التي تناولت التغيير في مصر.

وأوضح عبدالعزيز أن “الغارديان ارتكبت عددا من الأخطاء خلال تغطيتها لأحداث الثورات العربية تكفي لزعزعة مكانة أي وسيلة إعلام كبيرة. يمكن وصف تغطيتها إجمالا للتغيير السياسي في مصر منذ عام 2011 بأنه بعيد عن المعايير المهنية ومنحاز لطرف أو فكرة محددة”.

وفسر المختص في الإعلام هوية الطرف المقصود والفكرة التي يومئ إليها، قائلا “الطرف هو الإسلام السياسي، والفكرة هي تغيير الأوضاع السياسية في مصر لصالح هذا الطرف”.

ويبدو أن عبدالعزيز كان يشير إلى تصرفات مراسل “الغارديان” إزاء فض اعتصامي الإخوان في رابعة العدوية والنهضة في القاهرة في أغسطس 2013 على وجه التحديد، إذ سارع كينغسلي حينها إلى إجراء حوار مع محمد البلتاجي، القيادي في تنظيم الإخوان المسلمين الذي يقف حاليا أمام القضاء المصري بتهمة التخابر والتحريض على العنف. لكن هذه المقابلة التي أجريت مع البلتاجي دون إبراز وجهة نظر السلطات المصرية على الجانب الآخر، لم تكن التغطية الوحيدة التي أثارت الجدل والريبة حول ما تريد الغارديان أن يصل إلى العالم الغربي إزاء ما يحدث في الشرق الأوسط وفي مصر.

وأدت تغطية كينغسلي لموقف القاهرة من الحرب على غزة، التي شنتها إسرائيل في شهر أغسطس الماضي، إلى امتعاض الكثيرين داخل مصر.

وحملت الصحيفة في إطار تناولها لأبعاد الحرب ودوافعها المسؤولية للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أكثر من تل أبيب. كما أثار التقرير الشهير الذي نشرته الصحيفة البريطانية في فبراير 2011 أثناء الاحتجاجات الشعبية الحاشدة على نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك أيضا علامات استفهام كبيرة، إذ قدرت الصحيفة ثروة عائلته وقتها بـ70 مليار دولار، وهو ما لم تتضح صحته فيما بعد.

18