عندما تعري الجزائر الاتحاد الأفريقي

الأحد 2014/07/06

هناك إشارات تعني الكثير تصدر أحيانا عن منظمات إقليمية. من بين هذه الإشارات القرار الأخير الذي اتخذه الاتحاد الأفريقي والقاضي بتعيين “ممثل خاص” لملف الصحراء الغربية، التي هي جزء لا يتجزّأ من التراب الوطني للمملكة المغربية.

من بين ما تعنيه هذه الإشارة أن الاتحاد الأفريقي وجد طريقة سهلة ليكشف إفلاسه، بل إلى أي حدّ صار مفلسا. فهذه المنظمة الإقليمية التي يفترض بها العمل بموضوعية من أجل المحافظة على الأمن والسلام وخلق أفضل الظروف لخلق اجواء تسهّل التعاون بين الدول الأفريقية، تتصرّف بطريقة تؤكّد أنّها مجرّد أداة لدى دول معيّنة تعمل فقط على ابتزاز المغرب. لو لم يكن الأمر كذلك، لما كان هناك تدخل في الشؤون الداخلية للمغرب الذي ليس عضوا في الاتحاد.

كان الأجدر بالاتحاد أن يتذكّر أنّه سبق للمغرب الانسحاب من منظمة الوحدة الأفريقية، التي انبثق عنها الاتحاد الأفريقي، وهو من بنات أفكار الديكتاتور الليبي الراحل معمّر القذّافي. لم يُعرف عن القذّافي سوى أنّه يعرف الهدم، بل يتقنه، إذ رفض دائما القيام بعمل بنّاء يعود بالخير على ليبيا نفسها أو على القارة السمراء.

حصل انسحاب المغرب من منظّمة الوحدة الأفريقية في ثمانينات القرن الماضي نتيجة قبول “الجمهورية الصحراوية” عضوا فيها، علما أنّ هذه الجمهورية، لا تزال، ولا يمكن أن تكون سوى كيان وهمي. وقد سمّاها الملك الحسن الثاني، رحمه الله، في حينه بأنّها “جمهورية فضائية".

لا يشبه وهم ما يسمّى “الجمهورية الصحراوية” سوى وهم الدور الإقليمي للجزائر التي تعتبر أنّ عليها الاهتمام بكل شيء في المنطقة باستثناء رفاه الجزائريين وكيفية حماية البلد من التطرّف.

أظهرت الأحداث أنّ الحسن الثاني كان محقّا في تقويمه وفي كلّ ما قاله، خصوصا أن “الجمهورية الصحراوية” التي أعلنتها جبهة “بوليساريو” هي مجرّد مخيّم بائس للاجئين الموجودين في تندوف، أي في الأراضي الجزائرية.

مع الوقت تحوّل هذا المخيّم إلى معسكر اعتقال كبير يديره الأمن الجزائري ويشرف عليه “رئيس للجمهورية” يقيم في فيلا مريحة في ضواحي مدينة الجزائر.

ما لا يعرفه الاتحاد الأفريقي، هذا في حال كان يريد بالفعل إخراج الصحراويين الموجودين في تندوف من السجن الكبير المقيمين فيه، أنّ لا وجود لشيء اسمه مشكلة صحراوية مرتبطة بشعب يريد تقرير مصيره. هناك مشكلة مفتعلة من جانب واحد بين الجزائر والمغرب. الأصحّ أنّ هناك مشكلة لدى الجزائر مع نفسها. ولأنّ لدى الجزائر مشكلة مع نفسها، توظّف هذه الدولة، التي تحاول في استمرار الهروب من مشاكلها الداخلية إلى الخارج، جبهة “بوليساريو” في عملية لا أفق لها نظرا إلى أنّ هدفها الوحيد ابتزاز المغرب واستنزاف اقتصاده.

هناك بالطبع ما يمكن زيادته على ذلك وهو يتمثّل بوجود مجموعة معيّنة في الجزائر تستفيد من إيواء “بوليساريو” وتسليحها غير آبهة بالخطر الأمني الذي باتت تشكّله على منطقة الساحل الصحراوي.

استثمرت الجزائر في الماضي في عملية ضمّ “بوليساريو” إلى منظمة الوحدة الأفريقية. لم تكن “بوليساريو” في يوم من الأيّام سوى وسيلة لتحقيق مآرب معيّنة راوحت بين الحصول على جزء من أرض الصحراء وايجاد ممرّ يربط بين الجزائر والمحيط الأطلسي وذلك تحت شعار “حقّ تقرير المصير للشعوب".

مثلما فشلت الجزائر في إطار منظمة الوحدة الأفريقية، ستفشل في إطار الاتحاد الأفريقي الذي لم يكن في يوم من الأيّام سوى خشبة لمسرح أنشأه معمّر القذافي كي يقدّم آخر عروضه المضحكة ـ المبكية.

في سنة 2014، وبعد أقلّ من ثلاث سنوات على رحيل القذّافي، تلعب الجزائر الدور الذي كان يلعبه الديكتاتور الليبي على خشبة المسرح ذاته، علما أنّه يفترض بالجزائر أن تكون دولة جدّية.

يفترض بالجزائر، من الناحية النظرية، أن تعي قبل كلّ شيء أنّ اللعبة تغيّرت وأنّ خشبة المسرح، التي أنشئت أصلا إرضاء لطموحات القذّافي، لا تليق بها ولا بسياسييها ولا ببعض رجالها الذين يعتبرون من بين أفضل الديبلوماسيين العرب. وهذا أمر لا مفرّ من الاعتراف به في حال كان على المرء أن يكون منصفا.

في النهاية، ما ينقص اللعبة الجزائرية على خشبة مسرح الاتحاد الأفريقي هو السيناريو المحبوك. وهذا يعني في طبيعة الحال الحاجة إلى أساس قانوني يستطيع من خلاله “الممثل الخاص” للاتحاد التحرّك في الصحراء المغربية. في غياب هذا الأساس القانوني، يمكن القول إن هناك حسنة وحيدة من دفع الجزائر الاتحاد الأفريقي إلى اتخاذ قراره في شأن الصحراء. تتمثّل هذه الحسنة في كشف كم الاتحاد الأفريقي هزيل وكم بلغت به درجة الإفلاس.

ساهمت الجزائر في تعرية الاتحاد الأفريقي لا أكثر ولا أقلّ. فهذا الاتحاد، الذي لم يستطع يوما تقديم أي مساهمة إيجابية في أي بقعة أفريقية، يريد التلهي حاليا بالبحث عن دور في مسألة لا شأن له فيها. يبحث الاتحاد عن رعاية جزائرية في غياب الرعاية الليبية بدل الانصراف إلى عمل ما هو مفيد له وللقارة ولشعوبها. ماذا فعل الاتحاد الأفريقي للسودان؟ هل فعل يوما شيئا ما للصومال؟

في الإمكان الإتيان بمئة مثال على عجز الاتحاد الأفريقي، وقبله منظمة الوحدة الأفريقية، بدءا بالاكتفاء بالتفرّج على مجازر رواندا وصولا إلى مالي والإرهاب الذي تعاني منه منطقة الساحل الأفريقي. هل الهرب إلى ملفّ الصحراء المغربية كفيل بإعادة الحياة إلى جسد ميّت اسمه الاتحاد الأفريقي؟

شكرا للجزائر على تعرية الاتحاد الأفريقي الذي كان يستطيع تقديم خدمة للصحراويين، لكنّه فضّل في ما يبدو لعب دور من نوع آخر، دور الدخول في لعبة تصفية حسابات مع المغرب، وهي لعبة لا طائل منها. الدليل على ذلك أنّ الحرب التي شنتها الجزائر مستخدمة أدواتها انتهت منذ فترة طويلة، أي في العام 1991.

كان في استطاعة الاتحاد الأفريقي المساعدة في اخراج آلاف الصحراويين من سجن اسمه تندوف ومن أسر الجزائر. كان في استطاعته إعادة هؤلاء إلى أهلهم في الصحراء حيث يعيشون بأمان وكمواطنين محترمين. هل كثير على الاتحاد الأفريقي الخروج يوما بعمل إيجابي ما؟

2