عندما تعود إيطاليا إلى مستعمرتها القديمة

أفضل سلّم يعتمده الطامعون في الوصول إلى أهدافهم، هو الصراعات الداخلية خاصة إذا كان أحد أطرافها أولئك الذين لا يعترفون بالوطن، ولا يرون مانعا من أن يحنوا ظهورهم ليكونوا السلّم الذي يستعمله العدو لاقتحام القلعة.
الخميس 2018/08/09
تحركات إيطالية متشنجة

ما ورد على لسان السفير الإيطالي بطرابلس، جوزيبي بيروني، الأسبوع الماضي، فضح أطماع روما في مستعمرتها السابقة وما كانت تعتبره شاطئها الرابع، خصوصا عندما أكد على رفض بلاده تنظيم الانتخابات خلال العام الجاري، وعدم اعترافها بمخرجات اجتماع باريس المنعقد في أواخر مايو الماضي، وإشارته إلى أن الانتخابات قد تأتي بمن يعمل على الاستيلاء على السلطة في ليبيا، بل ووصوله إلى حد الدفاع عن إرهابيي القاعدة في درنة بتعلة أنهم كانوا وراء طرد تنظيم داعش من المدينة، ورفضه الحرب على الإرهاب في برقة بزعم الإضرار بأمن المدنيين.

وهذا الموقف، ليس معزولا عن التصرفات الإيطالية المتشنجة منذ فترة، حيث سبق أن حذرت وزيرة الدفاع الإيطالية إليزابيتا ترينتا، السلطات الفرنسية من تدخلها في الشأن الليبي مؤكدة أن بلادها هي الدولة القادرة على قيادة الدولة الليبية وأن القيادة بيد إيطاليا في ما يتعلق بالحالة الليبية، حتى أنها قالت لنظيرتها الفرنسية، فلورنس بارلي، على هامش الاجتماع الوزاري الأخير بمقر الناتو في بروكسل “لنكن واضحين.. القيادة في ليبيا لنا”، ثم كانت دعوة روما إلى عقد مؤتمر حول ليبيا في الخريف القادم، الهدف منه طي صفحة المبادرة الفرنسية التي تم الإعلان عنها أواخر مايو الماضي، خلال اجتماع الإليزيه الذي أشرف عليه الرئيس إيمانويل ماكرون ورعته الأمم المتحدة وحضره رئيس المجلس الرئاسي ورئيس مجلس النواب والقائد العام للجيش الوطني ورئيس مجلس الدولة، ووفود من دول الجوار ومن الدول الأخرى ذات العلاقة بالملف الليبي، وشهد الاتفاق على تنظيم انتخابات في العاشر من ديسمبر القادم، وهو ما لم تستسغه روما، وحلفاؤها الليبيون وخاصة فعاليات مصراتة وميليشيات المنطقة الغربية التي أعربت عن موقفها علانية بمقاطعتها الاجتماع، وقوى الإسلام السياسي التي تبدو قريبة من الموقف الإيطالي بقدر بعدها عن الموقف الفرنسي بعد أن اتهمت باريس بدعم الجيش الوطني وقائده العام المشير خليفة حفتر، وبالتنسيق مع القيادة المصرية التي تعاديها جماعة الإخوان والدائرون في فلكها.

ولا ينفي الإيطاليون دعمهم لإسلاميي ليبيا وللميليشيات الخارجة عن القانون في المنطقة الغربية، ثم إن التنسيق الإيطالي مع الإنكليز في هذا الملف لم يعد خافيا، وسعيهما معا لجر واشنطن وراءهما أصبح معلنا، وفي يوليو الماضي طلب رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنسيقا بين البلدين يهدف لمرافقة الانتقال السياسي في ليبيا، وقال إنه يتطلع إلى تنسيق بين روما وواشنطن بشأن قضايا منطقة البحر المتوسط عبر تشكيل غرفة عمليات مشتركة بين وزراء الخارجية والدفاع في البلدين، ثم سرعان ما أعلنت واشنطن موافقتها على حضور وزير خارجيتها مؤتمر روما المنتظر، ما يمثّل ضربة للجانب الفرنسي، ولمبادرة ماكرون، وحتى للأمم المتحدة وبعثتها ورئيسها غسان سلامة الذي يبدو أنه يتجه لمغادرة منصبه قريبا.

المطلعون على الصحافة الإيطالية، لا بد أنهم استغربوا مما ورد في صحيفة “جورنال” من اتهام ماكرون بأنه يسعى إلى الاستحواذ على ثروات الطاقة في المستعمرة الإيطالية السابقة مستغلا الفوضى الليبية والفراغ السياسي الانتقالي الحالي في روما، ومما قالته صحيفة “لاستامبا” من أن مباراة حامية تجرى بين روما وباريس، حيث زعمت أن “حفتر يوظف انتصاراته العسكرية لتوسيع دائرة نفوذه وتهديد إيطاليا والاتحاد الأوروبي، بوقف التعاون في ملف الهجرة الحيوي للأوروبيين”، وأن إيطاليا تعارض بوضوح الأجندة السياسية التي وضعها ماكرون في ليبيا وتنظيم انتخابات قد لا تؤدي إلا للمزيد من الفوضى، مشيرة إلى أن “ماكرون قام بتهميش مصراتة وقادة الميليشيات في طرابلس من خلال مبادرته الأخيرة”، وهنا مربط الفرس، فالحديث عن مصراتة وأمراء الحرب يحيل إلى الدور الإخواني التركي القطري، وإلى حالة العداء المستفحل للمشير حفتر، ونحو القوى الداعمة للجيش الليبي سواء في الداخل أوالخارج.

وتتضح الصورة بالوقوف على تصريحات السفير الإيطالي في طرابلس عندما دافع عن إرهابيي القاعدة في درنة، وقال إن “درنة مدينة للسلام والاستقرار ولا تستحق الانتقام” وأنها مدينة عانت كثيرا وتمكنت من طرد تنظيم داعش بنفسها، وهو ذات الخطاب القطري التركي الإخواني الذي يدافع عن تنظيم القاعدة في المدينة باعتباره كان وراء طرد داعش منها، ثم هاهو السفير يزعم أن الحل العسكري في ليبيا لن ينجح في ظل وجود مدنيين يعانون ويلات الحروب في المنطقة الشرقية، وهو ما هلل له الإسلاميون واعتبروه موقفا داعما لهم، رغم أن الجميع يدرك أن الحرب التي قادها الجيش الوطني لم تستهدف المدنيين بقدر ما حمتهم من الإرهابيين وأعادت الأمن إلى إقليم برقة، وحصّنت قوت الليبيين في الهلال النفطي من جماعات المرتزقة، حتى أن المقارنة لا تجوز بين نفوذ أجهزة الدولة في شرق البلاد، وهيمنة الميليشيات في غربها.

في مثل هذه الأيام قبل عشرة أعوام، وصل رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني إلى ليبيا، وأعلن اعتذار بلاده عن سنوات الاستعمار للتراب الليبي وأكد استعدادها لتقديم تعويضات لليبيين، ولم ينس أن يقبّل يد معمر القذافي وجبين نجل عمر المختار، اليوم عاد الإيطاليون ليؤكدوا أن ليبيا من نصيبهم الجغرافي والتاريخي، مستندين إلى دعم حلفائهم في الداخل والخارج، وهو ما يعني أن الاستعمار القديم قد يعود بأي شكل طالما تتوفر الأسباب، ويبدو أن أفضل سلّم يعتمده الطامعون في الوصول إلى أهدافهم، هو الصراعات الداخلية خاصة إذا كان أحد أطرافها أولئك الذين لا يعترفون بالوطن، ولا يرون مانعا من أن يحنوا ظهورهم ليكونوا السلّم الذي يستعمله العدو لاقتحام القلعة.

9