عندما تفسد الأذهان

الاثنين 2016/01/04

ربّما لا نختلف في مثل هذا الاستنتاج المخيب للآمال: لا يزال العالم مليئا بالمظالم التي تقضّ المضاجع وتوجع الضمائر وتتطلّب رفع وتيرة المقاومة، بل تستدعي قبل ذلك الكثير من الجهد لأجل تحسين شروط المقاومة. لا يزال طريق الإنسان نحو القضاء على الفقر والبُؤس والأمراض شاقا وطويلا، كما لا يخلو العالم من احتلال واستعمار ونهب للخيرات واستنزاف للثروات، وبعد عقود عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا تزال تنتشر مظاهر التهجير والتفجير والتدمير، وتستشري أساليب التّفقير والتّطهير والتّكفير، ورغم كل هذه الأهوال لا يحقّ لنا أن نعتبر “الشر” قضاء وقدرا، أو جوهرا ملازما لنا أو لغيرنا، بل يجب العمل على تقليص دوائر العنف والتعاسة بلا ملل، أملا في بناء عالم أفضل.

غير أن هناك استنتاجا آخر: في كل مرّة نطلق فيها شرارة المقاومة العقلانية والمتمدنة إلا وتأتي قوى الفتنة والعنف والتكفير فتشعل الحرائق تحت أقدامنا وتبتلعنا وتلتهم شعاراتنا وتحرق اليابس والأخضر حولنا. حدث هذا أثناء ما سُميّ بـ”الربيع العربي”، وحدث أثناء “الثورة” السورية التي ماتت قبل الولادة، وحدث قبل ذلك أثناء الحركات الطلابية في المغرب وتونس ومصر خلال سنوات الثمانين من القرن الماضي، وحدث كذلك أثناء المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي عام 2003، وحدث أيضا بالنسبة إلى حركة التحرير الفلسطينية خلال العقود الماضية، وحدث بالنسبة إلى حركات التحرر الوطني بشكل عام، كما حدث خلال الثورة الإيرانية عقب انتخابات 1981، ثم تكرّر في جنوب لبنان في نفس الفترة، وحدث مؤخرا لحركة أزواد في مالي، إلخ.

في واقع الحال، وبكثير من التواطؤ السياسي والسذاجة الأيديولوجية، كانت بعض الآمال معقودة على أنّ الخطاب الديني سيلهب حماسة الشعوب لأجل مقاومة الظلم، والظلم مصدر الشرور جميعها، أما الباقي فمجرد تفاصيل. كانت تلك الآمال نقطة تقاطع تيارات خلاصية مهدوية أصولية ويسارية وقومية. لكنها كانت آمالا خائبة في الحساب الأخير. فهل سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة؟

تقول الحكمة: من الغباء أن نفعل نفس الشّيء بنفس الطريقة ثم نتوقع نتيجة مختلفة. أي نعم، من الأهمية أن نناقش مآسي الاحتلال والاستبداد والإمبريالية والمؤسسات المالية والشركات متعددة الجنسية إلخ، وهو نقاش هام وضروري لكنه سهل المنال، بحيث لا يتطلب غير متابعة أهم التصريحات والربط بين عدد من المعطيات وإضافة شيء من التخمينات. ثم ماذا بعد؟ أقول وأعيد القول بلا ملل: معرفة العالم الذي نعيش فيه، في مناشطه ومكارهه، أمر ضروري، وهي الشرط الأساس لتحقق الوعي؛ فالوعي ببساطة هو القدرة على التموقع في الزمان والمكان، وهذا ما نحاول التمرّن على فعله تأمّلا وتفاعلا، لكن، حين يتعلق الأمر بالنقاش العمومي وتنوير الشعوب فإنّ المسألة الأكثر فعالية أن نناقش شروط المقاومة الذاتية. والسؤال الآن: لماذا كلما حاولنا أن نقاوم لأجل تغيير حياتنا وتحسين أحوالنا إلاّ وسقطنا في أتون الفتنة وجحيم الفوضى وبراثن الرّعب المذهبي والاقتتال الطائفي؟

لا أعرف متى سيحدث هذا، لكننا عندما سنبدأ الحديث عن شروط المقاومة سنكون وقتها قد انتقلنا من مستوى مناقشة المواقف والسياسات والآراء والتصريحات إلى المستوى الأعمق، مناقشة البنيات الذهنية المغلقة التي تمثل العائق الأكبر أمام فعالية المقاومة، سواء قصدنا مقاومة الاحتلال أو مقاومة الاستبداد أو مقاومة التخلّف الكامن فينا، وهو الأمر الأهم في كل الأحوال.

لقد لاحظ الكثيرون كيف انتهى بعض المثقفين العرب، بفعل التهييج الإعلامي الانفعالي والحماسة الثورية الزائدة التي أثارها “الربيع المغدور”، إلى اختزال معركة النهوض الحضاري في المستوى السياسي، وهو اختزال خطير وبالغ الضرر لأنه يترك عناصر التخلف الثقافي في منأى عن أي نقد أو انتقاد: فلا مشكلة في الموروث الفقهي القديم، ولا مشكلة في الانغلاق الطائفي، ولا مشكلة في النظرة الدونية إلى المرأة، ولا مشكلة في تعطيل العقل، بل ستزول المآسي وتنتهي المشاكل بضربة سحرية حين يسقط الاستبداد، أو حكم العسكر، أو تسقط أميركا، أو الإمبريالية العالمية، أو يسقط الغرب الصليبي، إلخ.

إصلاح الأوطان يبدأ بإصلاح الأذهان، وفي أحوالنا الآن فإنّ إصلاح الأذهان يعني بالأولى والأساس إصلاح الأديان. لماذا؟ لأنّ الخطاب الديني عندنا مهيمن على معظم مناحي الحياة، فلا يزال شيخ الدين عندنا يُسأل عن أمور الطب ومسائل الفلك وشؤون القضاء وقضايا الاقتصاد، وعندما يكون الخطاب الديني كذلك، تكون الحلول الباقية أمام الأفراد، إما الخروج عن الدين جملة وتفصيلا، وهو اختيار شخصي ومآل غير آمن، أو اللجوء إلى النفاق الديني في مستوى التفاصيل كما تفعل غالبية الناس، وهو سلوك غير أخلاقي.

لكن، يبقى هناك حل آخر أكثر معقولية، هو ما نسمّيه بالإصلاح الديني، بدءا من تحرير الإيمان من الأيديولوجية الجبرية وانتهاء بتحرير الخطاب الديني من مفاهيم القدامة. كثيرون لا يخفون يأسهم من إمكانية هذا الإصلاح وذلك بسبب أربعة تحديات كبرى: سلطة النص، ثقل الموروث، الغلقة اللاّهوتية، والسياج الدوغمائي. غير أنّ هذا اليأس نفسه مؤشر دالّ على إحدى أولويات الإصلاح: تحرير العقل المسلم من الأيديولوجية الجبريّة التي تشل الإرادة وتعطل الطموح وتبدّد الطاقة الحيوية للإنسان، وتُصيِّر الإنسان المسلم كائنا محبطا بلا هدف آخر سوى أن “يأكل القوت وينتظر الموت”.

معركة قوى العقل والحكمة والتنوير هي معركة العمل الدؤوب على تغيير البنيات الذهنية لشعوبنا، من خلال التمرّس على الاستعمال العمومي للعقل، بعيدا عن أساليب التهييج الانفعالي الذي سرعان ما ينفلت من عقال التحكم ويرتد إلى نحره. والعبرة لمن يعتبر.

كاتب مغربي

8