عندما تقاطعت "علمانية" النظام السوري مع سلفية داعش

السبت 2017/07/15

المشهور أن معظم الدول العربية بدأت استقلالاتها عن الاستعمار الأوروبي منذ نهايات أربعينات القرن الماضي، وعن الاحتلال العثماني منذ قرن تقريبا. لكن هذه البديهة مشكوك فيها، فالقوانين في معظمها تعود إلى العهد العثماني، أو إلى عهد الانتدابين الفرنسي والإنكليزي، وإن جرى تعديل هذه القوانين مرارا بناء على الأصل. كما أن كثيرا من الجامعات والمدارس، وهي قليلة العدد لكنها متميزة، تأسست في تلكما الحقبتين، بل شهدت عهدها الذهبي في زمن الاحتلال، وتدهورت بعد الاستقلال شيئاً فشيئاً.

نعم، لن يخترع الحقوقيون العجلة، ولن يتمكنوا من صياغة قوانين جديدة كلياً، والتخلي عن قوانين زمن الاحتلالات، لكن الاستنسابية في تطبيق القوانين بل تجاوز روح القانون، وانتشار المحسوبية والرشوة، عصفا بالقانون وتعديلاته، وبالمواطن الذي أصبح رقماً في دنيا الاستزلام، وأصبح دون سند بتنحية مبدأ تكافؤ الفرص في العمل والتقاضي.

ولذلك نصادف في كل الأزمات التعليمية والصحية والعمل البلدي، من يقول: ليت الفرنسيين والإنكليز ظلوا يحتلون بلادنا، لكانت سيئات ذلك أقل كارثية من استقلال يحكمه دكتاتور لا يتخلى عن الحكم إلا بانقلاب عسكري. فالموت نفسه لم يمنع حافظ الأسد من توريث الحكم لابنه بشار الأسد، في جمهورية تغيّر دستورها مرارا، وتغير علمها مرات أكثر منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1946، بل أكثر حتى من سنوات الانتداب.

في العمق، تنظيم داعش شكل جديد من الدكتاتورية، كتنويع، حتى لو لم يتمكن من المناطق التي احتلها بمساحة بلغت قيمتها العظمى التقديرية في صيف 2014 حوالي 203 ألف كيلومتر مربع (108 ألف كيلومتر مربع في العراق و95 ألف كيلومتر مربع في سوريا). وما تركه لنا، أو سيتركه، من ذكريات وحشية، ستتم مقارنتها بما فعله النظام الأسدي الأول من مذابح ونهب ومعتقلات، وبما تركه النظام الأسدي الحالي من تهجير سكاني، وتطهير عرقي، وجرائم حرب موصوفة تفوّق فيها على أبيه.

بالطبع، يمكن النظر لتمني بعضنا بقاء الاحتلالات الاستعمارية كمبالغة غايتها التنبيه إلى مدى خطر الدكتاتوريات على المجتمعات العربية. فمن غير المعقول أن تكون سوريا، مثلا، أكثر تطورا وأكثر سياسة وأكثر ثقافة، بمقاييس العقدين التاليين للاستقلال، ثم تراجعت بعد سبعين عاما من الاستقلال في كل ما يتعلق بالمواطن السوري من سيرورات التطور، إلى الدرك الذي جعل قسما كبيرا من المجتمع السوري يفجر ثورة جمعت أسبابها خلال 41 عاما من الحكمين الدكتاتوريين، وكان في انتظار شرارة أشعلها فتيان درعا في ربيع العام 2011.

وعلى الرغم من أن مقدمات الدكتاتورية بدأت في عام 1963، إلا أن سفور الوجه الدكتاتوري لم يبدأ فعليا إلا في نهايات السبعينات من القرن الماضي، عندما قضى “جنرال تسليم الجولان” على الروح الانقلابية في الجيش السوري. وفي الحقيقة، هذا أكثر ما كان البعثيون يتفاخرون به تحت شعار “استقرار الحكم”.

في حقبة الانقلابات، كان الجنرال الانقلابي يحكم بضعة أشهر، أو سنوات قليلة، قبل أن يستقبل الانقلاب التالي. لكن الإدارة كانت ثابتة. كذلك الجيش والأمن والسياسة والمجلس النيابي، دون وجود حكم فردي مطلق كنتيجة للانقلاب. ولم يكن في إمكان الدكتاتور التفرد بالحكم، وإلغاء الانتخابات (عدا المجلس النيابي والوزاري السابق)، وتوزيع الامتيازات على عائلته وأصدقائه. وإن حدث هذا كان يتم في نطاق محدود، وضمن ما تسمح به البيروقراطية الإدارية، التي تشبه كل بيروقراطيات الإدارة في العالم.

ظاهرة داعش الانقلابية لم تخرج عن السياق الذي أتى فيه حكم الأسدين، وإن استغل (تنظيم الدولة) الظرف الفوضوي الاستثنائي الناشئ عن الثورة السورية، مثلما استغل حكم البعث فترة ما بعد إلغاء الوحدة السورية المصرية عام 1961

وبقليل من المبالغة، شكلت انقلابات سوريا نوعا استثنائيا من تداول السلطة دون انتخابات، ودون إرادة شعبية في ما يتعلق برئاسة الجمهورية وإدارة الجيش، على عكس “ديمقراطية” حافظ الأسد ووريثه، اللذين استأثرا بالحكم منذ 1970، دون انقطاع، ودون انتخابات. فبدلا من الانتخابات اعتمد “الرئيسان” على الاستفتاء، في انتخاب الرئيس، بل في انتخاب أعضاء مجلس الشعب، وفي انتخابات المجلس المحلية للمحافظات، وفي النقابات أيضاً.

ظاهرة داعش الانقلابية لم تخرج عن السياق الذي أتى فيه حكم الأسدين، وإن استغل “تنظيم الدولة” الظرف الفوضوي الاستثنائي الناشئ عن الثورة السورية، مثلما استغل حكم البعث فترة ما بعد إلغاء الوحدة السورية المصرية عام 1961، للانقلاب على الحكم عام 1963، والدخول في صراع بعثي داخلي طويل، مر بهزيمة وزير الدفاع حافظ الأسد في حرب 1967، فكافأ نفسه بالاستيلاء على سوريا في 1970. إذن، كلا النظامين، الأسدي، وداعش، جاء من خارج الإرادة الشعبية، وكل منهما في حال استمراره يعني استمرار تأجيل عودة الروح للشعب السوري.

قد لا ينطبق ذلك على داعش العراق، ففي بغداد حدّ أدنى من الإرادة الشعبية والإدارة، وإن كانت مشوبة بالطائفية والفساد، وحتى لو كانت الإرادة المنقوصة للناخبين في صناديق الاقتراع لا تعني أن “الديمقراطية” هناك بخير، فالعراق قد يصبح على خير إن لم يتمسك ظهيرو داعش بسياسة المحاصصة والإقصاء في حكم بغداد وفق الصيغة التي أنشأها الاحتلال الأمريكي عام 2003.

أما في سوريا، فكان الانتقال من عهد الدكتاتور إلى عهد انتصار الثورة يحمل صعوباته، في ما لو تحقق ذلك في عام 2011 أو 2012. وازداد الأمر صعوبة مع تنامي الاستقطاب الدولي على الأرض السورية، وانتشار السلاح بشكل غير متوقع. حتى إن الحديث عن سلاح الميليشيات الإسلاموية وغيرها، لا يشرح كل تعقيدات انفلات السلاح في شوارع سوريا، كون الميليشيات يمكن أن تستجيب لدعوة نزع السلاح، أو تهزم في معارك الشرعية المقبلة وينتهي أمرها. لكن السلاح الفردي أصبح في كل بيت، وتجارة السلاح المترافقة مع تجارة المخدرات، أصبحت رائجة، خاصة أن الحدود السورية مفتوحة من الجهات الأربع.

أما ما لا يمكن التكهن به في القريب، فهو مستقبل داعش، الذي أعاد انتشاره بعد خسارة الموصل، وبدأ بالانتشار في البادية السورية قبيل انطلاق معركة الرقة، ما يعني أن الحرب ستستمر لسنوات بين داعش وأي شرعية سيفرضها “المجتمع الدولي” على السوريين المنهكين من حرب السبع سنوات، بما في ذلك إعادة تعويم النظام الأسدي، وإن كان التفاؤل الثوري يرفض مجرد التفكير بعودة الاستقرار لحكم الديكتاتور.

وحتى اليوم، لا يزال النظام يمتلك الوقت، أكثر حتى من معارضيه السياسيين والمسلحين. كما يمتلك داعش الوقت لزراعة بيئات عنيفة غير مقيّدة بحدود المدن الكبيرة والصغيرة التي طبعت انطلاقته الأولى منذ بدايات 2014. ولا يزال النظام “العلماني” السوري يمتلك ورقة مهمة في مساومة السوريين، والمجتمع الدولي، بإشارته إلى سلفية داعش كبديل من حكمه العلماني.

لكن المجتمع السوري، بمعارضيه والمؤيدين، لا يملك أي وقت في زمن الحرب. وحتى تخييره بين النظام وداعش لا يملك الاستجابة لأحد طرفيه، أو حتى رفض الطرفين معا.

هم يريدون الخلاص بأي ثمن. وكون أقل الخيارات الواقعية كارثية أمام هؤلاء هو النظام نفسه، بالنظر إلى خوف المؤيدين من داعش، وخوف المعارضين من استمرار فشل المعارضات السياسية، فالخيار هو إنهاء الحرب بأي ثمن، وانتظار فرصة لثورة مقبلة قد لا تأتي خلال جيل أو جيلين.

كاتب وصحافي سوري

9