عندما تقرأ الهجرة إلى أوروبا أخلاقيا وعاطفيا

الأربعاء 2014/01/08
جوليا كريستيفا من الأسماء المؤثرة في الفكر العالمي المعاصر

الناقدة والمفكرة البلغارية الأصل والفرنسية الجنسية جوليا كريستيفا هي من الأسماء الكبيرة والمؤثرة في مشهد الفكر العالمي المعاصر. حيث صدرت لها عشرات النصوص والكتب في النظرية اللسانية وفي النقد والرواية والتحليل النفسي، وشكلت مجتمعة إضافة مهمة ومعتبرة إلى الثقافة العالمية، وكان آخرها كتابها "غرباء عن أنفسنا" وفيه تقتفي الباحثة آثار تاريخ الهجرات، وتسجل دراما الاقتلاع الجغرافي والثقافي والروحي للمهاجرين والمهاجرات وما نتج عن هذا الاقتلاع من كدمات نفسية ومن غربة اجتماعية ونبذ عرقي وتهميش اقتصادي وانقطاع عن تراث وثقافات الأجداد.

رغم الكثير من المواقف الإيجابية التي تسجلها كريستيفا لصالح الجاليات المهاجرة يلاحظ أنها لا تتناول هذه الظاهرة في سياقها التاريخي المركب والمتعدد ولا تحمل الغرب أسبابها ونتائجها المؤلمة، كما أنها تنظر إليها نظرة أخلاقية وعاطفية ولا تدرجها ضمن حق المواطنة العالمية الشرعية المكتسبة.

هجرة أم تهجير


ففي كتابها "أمم بلا وطنية" تعالج كريستيفا قضية الهجرة على مستوى البعد الزمني الواحد، الذي هو الحاضر، ولا تطرحها في الإطار التاريخي الكلي. في هذا السياق تقول كريستيفا: "إنّ أوروبا تواجه في الوقت الحاضر ضغطا كبيرا من قبل الأجانب" وإنَ "فرنسا تستقطب أعدادا واسعة من المهاجرين، وخاصة من شمال أفريقيا، أما أنكلترا فلديها مهاجرون من بلدان أخرى. إن بعض الأوروبيين يشعرون بأنهم مهددون من طرف هؤلاء الأجانب".

إنّ اختزال "كريستيفا" لقضية الهجرة في الزمن الحالي فقط يمثل رؤية غير تاريخية لأن الهجرة ليست بنت هذا الزمان الحاضر فقط. إلى جانب ذلك فإن كريستيفا تنسى ظاهرة التهجير التي قام بها الرجل الأبيض من مستعمراته سابقا إلى الفضاء الأوروبي/ الغربي وتحويل المهجرين والمهجرات إلى عبيد وعمال من الدرجة الأخيرة.

لماذا تنسى المفكرة البارزة جوليا كريستيفا دراما عمليات القلع والتهجير الأوروبي لملايين الأفارقة -الذين قدّر المؤرخون عددهم في ذلك الوقت بأكثر من 13 مليون إنسان- من بلدانهم الأفريقية الأصلية حيث ألقي عليهم وعليهن القبض بالشباك وقيدوا بالأغلال ومن ثم تمّ ترحيلهم في السفن الشراعية بالقوة إلى أوروبا وأميركا وجزر الكاريبي وجزر الأنتيل الكبرى والصغرى وغينيا الجديدة وغيرها من الأصقاع. وفور وصول من بقي منهم حيا إلى تلك الأصقاع البعيدة حولهم الرجل الأبيض وبالقوة إلى عبيد مقهورين وتحت ضربات السياط قذف بهم في المزارع وفي الحقول وفي المعامل للعمل في ظل البرد شتاء والحر القاتل صيفا لفائدة الرجل الأبيض والمرأة البيضاء؟

إلى جانب ظاهرة التهجير والاقتلاع التعسفي التي أشرنا إليها فإن الهجرة العمالية من دول جنوب المعمورة إلى بلدان الشمال الغربية مرتبطة كل الارتباط بظاهرة الاستعمار الأوروبي وبظاهرة عدم توزيع الثروة العالمية المكدسة في الفضاء الغربي لحدّ التخمة.

إنه لا يمكن أبدا أن يؤرخ لظاهرة الهجرة ومآسيها المؤلمة بمعزل عن هذا السياق التاريخي المؤلم جدا. إن هذا المثال يقودنا حتما إلى مناقشة جوليا كريستيفا بخصوص ما يسمى بهجرة أبناء وبنات شمال أفريقيا إلى أوروبا/ الغرب، وهنا نقول لها بأن هجرة وتهجير أبناء شمال أفريقيا إلى فرنسا بالذات ظاهرة تاريخية ثقيلة ومعقدة ومأساوية وأنها لا تفهم موضوعيا إلا في السياق الكولونيالي، وفي سياق استغلال الرأسمالية الأوروبية/ الغربية للأيدي العاملة الرثة التي لا حقوق لها في المتروبول أسوة بالإنسان الأبيض الأوروبي/ الغربي إلا في حالات استثنائية نادرة شاذة تستفيد منها أقلية مجهرية لا يقاس عليها أبدا.

قيود الاستعباد


إن نتائج عمليات التهجير الغربي المنهجي للأفارقة الذين حوّلوا إلى عبيد على مدى قرون، ولأبناء المستعمرات إلى الجزر المحتلة في منطقة الكاريبي من طرف الاستعمار الأوروبي/ الغربي، وإلى المراكز الأوروبية/ الغربية للقيام بالأعمال الشاقة والحقيرة قد تحوّلت الآن إلى شكل من أشكال مقاومة التمييز العنصري والثقافي والاثني في فضاء الغرب نفسه.

ينبغي على كريستيفا أن تنظر إلى قضية المهاجرين والمهاجرات كأثر من آثار الاستعمار وكإحدى نتائج التخلف الذي سببه الشرط الكولونيالي الأوروبي

ففي تقديري فإنه ينبغي على كريستيفا أن تنظر إلى قضية المهاجرين والمهاجرات كأثر من آثار الاستعمار وكإحدى نتائج التخلف الذي سببه الشرط الكولونيالي الأوروبي وسببته الأنظمة السياسية الحاكمة لبلداننا والتابعة للمراكز الأوروبية/ الغربية والتي تدعمها بأشكال مختلفة ومتنوعة في فترة الاستلال الشكلي الذي دمغ بدمغة التبعية المذلة. إنه ينبغي على كريستيفا أن تعتبر الهجرة الاقتصادية من دول الأطراف إلى الغرب نتاجا للتصدعات الاقتصادية التي نخرت بلدان العالم الثالث منها بلداننا العربية- الإسلامية وقطاعها المسيحي في عهد الاحتلال الأوروبي/ الغربي ولا تزال تنخر جسدها إلى يومنا هذا جراء السياسات الرأسمالية المتوحشة المطبقة بفرض من الغرب الرأسمالي ومؤسساته مثل مؤسسة البنك الدولي وأخرى حينا وبتواطؤ من الحكام في العالم الثالث أحيانا كثيرة.

لا شك أن جميع الجاليات المهاجرة المقيمة في أوروبا/ الغرب طلبا للعمل وكذلك أحفاد المهجّرين والمهجّرات بالقوة في العهود الماضية البعيدة قد صارت الآن ترفع أصواتها لكي يعترف الأوروبيون/ الغربيون بها ككيانات إثنية ثقافية، وروحية متميزة سواء في إطار سياسات الهجنة أو في إطار القبول بفرادة وخصوصية الهوية وبعيدة عن سياسات الامتصاص والتغريب، وهي في معركتها السلمية هذه ترفض التهميش الاقتصادي والاجتماعي والنبذ العرقي.

إن مطالب هؤلاء تعدّ الآن محكّا لاختبار مزاعم الديمقراطية الأوروبية/ الغربية التي تدّعي أنها ذات مضمون كوني ولكن الوقائع الملموسة توحي بأن هذه الديمقراطية في علاقتها مع غير الأوروبيين/ الغربيين تتميز مع الأسف بمعيارها المزدوج والظالم.

14