عندما تكبر سوف تفهم

الأحد 2017/02/12

أجيال عديدة تربت على عبارة “عندما تكبر سوف تفهم”، وهي غالبا ما تكون الرد الذي يلجأ إليه الآباء والأمهات عندما يطرح عليهم أحد الأبناء أسئلة لا يستطيعون الإجابة عليها إما لأنهم لا يجدون الإجابة الملائمة أو لأنّ ما يسألون عنه محرج، في تقديرهم، أو لأنهم لا يريدون الإجابة من الأصل.

الأسباب مختلفة لكنّ الثابت أن الكثير من التساؤلات تظل مطروحة في ذهن الطفل ولا يجد تفسيرات تقنعه وتشبع فضوله.

تأجيل الجواب والتسويف إلى أن يبلغ الطفل سنّا معينة ليجد المعلومة التي يريد معرفتها تنم عن جهل الآباء بقيمة الفضول عند الطفل. هم يتصورون أنه مجرد فضول لا يستحق الاهتمام ولا عناء البحث عن الإجابة في حين أن البحوث العلمية أكدت أن طرح الطفل للأسئلة يدل على أنه ينمو بشكل جيد وبأن دماغه بدأ يعمل على البحث عن المعلومة لتخزينها. كما كشفت أنه يقدم أدلة على تطور ذكاء الطفل ونمو مداركه العقلية. لكن الكثير من الآباء يجهلون هذه المعطيات والنتيجة تكون في أغلب الحالات سيئة.

كنت دوما أرد متى سأكبر لأفهم؟ وبقيت الكثير من الأسئلة عالقة في ذهني لسنوات بسبب عبارة “عندما تكبرين سوف تفهمين”. اليوم فهمت الكثير من الأشياء ووجدت بنفسي الأجوبة. وتفطنت إلى أن بعض الإجابات على تساؤلاتي كانت سهلة لكنّي لم أجدها وأحيانا كانت بعض الأجوبة تتطلب قليلا من الاجتهاد من الكبار لتبسيط المعلومة بحسب ما يتناسب مع قدرتي على الفهم.

الأكيد أن آباءنا وأمهاتنا لم يكونوا يعيرون اهتماما لأسئلة الطفولة ولا يرهقون أنفسهم في الإجابة عليها ولا في البحث عن الطريقة المثالية التي تمكنهم من تبليغ المعلومة التي يبحث عنها الطفل بشغف المعرفة.

اليوم وبعد أن أظهرت الدراسات في علوم التربية وعلم النفس أهمية طرح الأسئلة في سنّ مبكرة وفسّرت معانيها ودلالاتها ونصحت الأولياء بمجاراة الطفل وتفهم لهفته للاكتشاف والمعرفة، وبعد أن أصبحت وسائل الاتصال والتواصل تساهم بشكل فعال في نشر الوعي لدى الآباء وتقدم لهم المساعدة والنصح لكي يكتشفوا طرق التربية المثالية وليتعرفوا على أساليب تبسيط المعلومة للطفل تجنبا لتجاهل تساؤلاته، تكوّن وعي لدى البعض من الآباء والأمهات وباتوا يعيرون أسئلة الطفل الأهمية التي تستحق.

وتتصدر الحماية من البحث على المعلومة والأجوبة من مصادر قد تكون غير موثوقة لائحة الأسباب التي تحفز الوالدين على مد الطفل بالأجوبة على تساؤلاته. وتلك الأجيال التي تربت على عبارة “عندما تكبر سوف تفهم” وكرهت بسببها الانتظار وملت إهمال رغبتها في المعرفة والاكتشاف تحاول اليوم أن تتحسس السبيل الذي يجنبها تكرار تلك الإجابة على تساؤلات أبنائها. أحيانا أستغرق وقتا طويلا لأجد الطريقة المثلى التي تساعدني على إعطاء ابني الأجوبة التي تشبع فضوله والتي يمكنه أن يستوعبها وتبدو له مقبولة ومعقولة بحسب نموه الإدراكي والمعرفي، لكن صعوبة الإجابة وعناء إيجاد الطريقة المبسطة التي يتقبلها بها لم يحولا دون اجتهادي في ذلك ولم يدفعاني إلى تكرار عبارة “عندما تكبر سوف تفهم يا بني”.

ويظل السؤال الوجودي الأكثر تداولا وطرحا عند الأطفال موجودا بقطع النظر عن التاريخ والزمان والجيل الجديد والقديم وهو كيف أتيت إلى هذه الدنيا؟ يبدو لي أن كل الأطفال طرحوا هذا السؤال ومن بين الأجوبة الطريفة التي أستذكرها أن أمي كانت تقول إنها عندما استيقظت ذات يوم وجدتني بجانبها وتضيف أن الله أهداني إليها. لكن هذه الإجابة لم تكن مقنعة بالنسبة إليّ وكانت تجرّ وراءها سيلا من الأسئلة: لماذا أهداني لك؟ وما هي المناسبة؟ ومن جاء بي ووضعني بقربك في الفراش؟… الخ وكانت والدتي من زخم الأسئلة التي أطرحها عليها تمل وتسكتني وأحيانا تطردني من جوارها وترد على احتجاجي على ذلك قائلة “عندما تكبرين سوف تفهمين.. توقفي الآن عن التحقيق”.

اليوم كبر ابني ووجه لي نفس السؤال؟ كان أول رد فعل صدر منّي أن ابتسمت بعد أن ذكرني في إجابة أمي. وحاولت أن أجيبه إجابة يستطيع استيعابها والأرجح أنني فشلت لكن قدمت له ما يرضيه ويفهمه ولم يكرر السؤال. هذه التجربة على بساطتها جعلتني أكتشف الوجه الآخر للعبارة المملة في تكرارها “عندما تكبر سوف تفهم”، قدرت أن والديّ كانا أحيانا يجهلان الطريقة التي تمكنهما من الإجابة عن تساؤلاتي بأسلوب يصعب أحيانا على المختصين في علم نفس الطفل وفي التربية إيجاده. بالطبع في حال كانت الأجوبة صعبة الفهم في سن معينة لكن لومي يظل قائما إذا كان ذلك ردا مجانيا على سؤال سهل.

وتفطنت أن هذه الإجابة قد تكون ملائمة ووجيهة في حال تعلق الأمر بنصيحة أو بحكمة أو بخلاصة تجارب الوالدين فهي تفترض بالضرورة أن يكبر الطفل ويجرّب ما في الحياة ليصل إلى نفس النتيجة ويفهم وقتها ما أراده والداه أن يفهمه في الكبر أو في سن النضج.

صحافية من تونس

21