عندما تكون الأم عجلة خامسة في العربة والأب مواطن من الدرجة الثانية

الأربعاء 2014/05/21
حضور الأب الفعلي له تأثير فاعل في نمو الأبناء النفسي والعاطفي

معظم الآباء يتم استقبالهم في المنزل استقبال الأبطال والفاتحين، ليحصلوا حتما بعد نهاية يوم عمل شبه شاق على مكافأة كبيرة مكونة من أحضان وابتسامات لا عد لها من قبل الصغار المتشوقين لقضاء بعض أوقات اللعب والمرح خارج إطار الدراسة والتنفيذ الأعمى لأوامر ملكة المنزل.

تبدو الأم في بعض الحالات الأسرية وكأنها غير موجودة أو كما يقول المثل “عجلة خامسة في العربة”، حيث تهمل في زاوية بعيدة، بعد قضاء يوم عمل أكثر شقاء لتصريف أمور الصغار والمنزل، في سلسلة من أشغال التنظيف وطهي الطعام والعناية بالأبناء وجلي الصحون وكي الملابس وفرض النظام أو المحافظة عليه، والتي تمثل أكثر هذه الأعمال مشقة. والسبب أن الصغار لكثرة احتكاكهم بالأم وتلقيهم التعليمات منها ينظرون إليها وكأنها رئيس العمل المتعسف، في حين يبدو الأب في صورة الشخص المرح الذي يكسر قسوة الروتين ويساعدهم في التعبير عن مكبوتاتهم بحرية أكبر مع توفير حماية أكيدة من العقاب.

في دراسة بريطانية حديثة، تبين ان قرابة 70 بالمئة من الأمهات، تضطر في الغالب إلى لعب دور الشرطي السيء في ما يتعلق بفرض النظام وتأديب الصغار، في حين يتمثل الأب في صورة الشرطي الطيب الذي يتفهم ويسامح. واعترفت حوالي ثلاثة أرباع الأمهات بأنهن يلجأن إلى تعنيف الأبناء أكثر بكثير مما يفعل الأب، بينما أكدت نصف مجموع الأمهات المشاركات في الدراسة بأن دورهن يتعلق في الأساس عندما يقتضي الأمر التدخل السريع في الأحداث وطرح الخيارات الممكنة، وهو يشبه كثيرا دور شرطة الطوارئ حيث يتسبب لديهن بمشاعر الإحباط والانزعاج الشديدين، في حين يسيطر القلق على مشاعر حوالي ثلث عدد الأمهات المشاركات لاعتقادهن بأنهن متسلطات بصورة مبالغ فيها في تعاملهن مع أطفالهن.

وفي العموم، تعتقد معظم الأمهات بأن الدور الذي يلعبنه في حياة أبنائهن مرتبط نوعا ما بأمور التنظيف والطبخ والترتيب والواجبات المنزلية الأخرى المملة، في حين يشارك الأب أبناءه أوقات اللعب والمرح والتسلية.

أما إذا حاولت الأم اقتناص بعض الفرص والتنصل من الواجبات المنزلية، لقضاء بعض الوقت مع الصغار في زيارة الحدائق العامة أو النادي الرياضي أو شاطئ البحر، فستجد نفسها مضطرة أيضا إلى إدارة الأمور التنظيمية في هذه المناسبات التي تعني التزود بالطعام وتجهيز الصغار ورزم مستلزمات الطوارئ من أدوية وملابس إضافية، كما يترتب عليها القيام بالواجبات ذاتها خارج البيت مثلما هو الأمر داخل البيت ولهذا السبب نجدها – مرة أخرى- قلما تحصل على الوقت الكافي للعب مع الصغار.

قرابة 70 بالمئة من الأمهات تضطر في الغالب إلى لعب دور الشرطي السيئ في ما يتعلق بفرض النظام وتأديب الصغار

ويؤكد متحدث باسم مركز “ووتر بيبي” لتعليم الصغار، الذي أشرف على الدراسة، بأن الأمهات يلعبن أدوارا أساسية في إدارة عجلة الحياة البيتية بكل تفاصيلها، ولعل الاضطلاع بهذه المسؤوليات يضطرهن في كثير من الأحيان إلى اتخاذ قرارات صارمة فيما يتعلق بسلوك الصــغار وهذا أمر طبيعي.

وبالتأكيد، فإن الصورة التي يرسمها الصغار عن أمهاتهم لا تحمل في طياتها أي معنى من معاني المرح، وهم في ذلك مضطرون للتوجه إلى الآباء للبحث عن (مهرب) أو استراحة قصيرة من الأوامر الصارمة.

ورغم ذلك، لا يمكننا أن نغفل أهمية دور الأب في حياة أبنائه والتي تبدأ منذ لحظة الولادة؛ حيث أثبتت دراسات سابقة في مجال علم النفس التربوي أن حضور الأب الفعلي الذي يشارك في حياة صغاره اليومية ولا يكتفي بدور المتفرج، له تأثير فاعل في نموهم النفسي والعاطفي إذ يعزز من ثقتهم بأنفسهم والعالم من حولهم، كما يمنحهم شعورا مستمرا بالأمان في حين يسهم حضوره في تنوع شبكة علاقاتهم الاجتماعية في سن الشباب.

وترى الدكتورة ديتا أوليكر، وهي اختصاصية في علم النفس الاجتماعي في جامعة كاليفورنيا الأميركية، أن طريقة مشاركة الأب مع أطفاله في أوقات لعبهم ومرحهم تلعب دورا أساسيا في نموهم الوجداني والاجتماعي وحتى الدراسي، حيث يشارك الأب صغاره أغلب أوقات لعبهم لانشغال الأم عادة بأعمال المنزل، فيسهم بطريقة غير مباشرة في تشذيب مشاعرهم وسلوكياتهم بطريقة أكثر تنظيما كما يعزز وجوده من تقدمهم الدراسي بحيث يبدؤون بالتركيز على الأولويات في حياتهم بسبب استقرارهم النفسي والعاطفي.

وحسب نتائج الدراسات التي أسهمت وشاركت فيها الدكتورة أوليكر، فإن هذا النمط الفاعل والمؤثر من الآباء قد يمتد تأثيره الإيجابي في حياة الأبناء حتى بعد بلوغهم سن المراهقة وبدايات مرحلة الشباب.

إلا أن الفجوة ما تزال واسعة بين نتائج الدراسات والواقع الذي يتعامل مع دور الأب في المنزل باعتباره أقل فاعلية وأهمية من دور الأم.

وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة أوليكر على أن العديد من الآباء يعتبرون أنفسهم “مواطنين” من الدرجة الثانية في حياة أبنائهم داخل مملكة المنزل، ويمتد هذا “الاضطهاد” من وجهة نظرهم إلى وسائل الإعلام والكتب المتخصصة وبرامج التلفزيون الصباحية، التي تروّج لمواضيع تتعلق معظمها بالأمهات وحياتهن اليومية وعلاقتهن بالأبناء، فتطرح الأسئلة وتضع الحلول وتقدم النصائح وحين يتكرر هذا الأمر يوميا، فإنه من النادر أن يتم التطرق إلى دور الأب ومدى حاجته إلى نصائح وحلول مشابهة.

21