عندما تكون الصحافة وظيفة بالية

الحقيقة تنطوي اليوم بالنسبة للمتمسكين بالطراز البائد من الصحافة أن متصفحي الإنترنت، لا يثير قلقَهم أمرٌ ليبراليٌ أو محافظ، بل إنهم لا يهتمون بما تنتجه الصحافة أصلا!
السبت 2018/03/17
متصفحو الإنترنت لا يهتمون بما تنتجه الصحافة أصلا!

يسألني فتى من أسرتي في بغداد لم يكمل دراسته الثانوية عن سعر هاتف أي فون الجديد في لندن، ليس للتأكّد من السعر وحسب، بل من أجل المقارنة المتباهية بأنه اشترى الإصدار الأخير من الجهاز الذكي بألف دولار! قد يبدو المبلغ الكبير هامشا لفكرة الشغف بالتكنولوجيا وكيف أعادت صناعة وعينا، فالفتى يعلن عن نفسه في ما سينشره على منصاته عبر الهاتف الثمين، أنه -على صغر سنه- أكثر من صحافي في ذلك، بغضّ النظر عمّن وفر له مثل هذا المبلغ.
قد تبدو تسمية صحافي اليوم تعبيرا عن وظيفة قديمة، لم يعد يهتمّ بها جيل الهواتف الذكية، الصحافيون المعاصرون بشهادة العصر الرقمي، بغضّ النظر عن قيمة وأهمية ما ينشرونه، علينا أن ندرك أن جيل الهواتف الذكية يمثله مليارا مشترك في فيسبوك، هذا يعني ببساطة إننا نتحدث عن ملياري صحافي، أو علينا اشتقاق تسمية جديدة مستقبلية لما كان يسمى صحافيا في الماضي، وليس مهمّا بعدها طبيعة ما ينتج!
من يتحكم بصناعة المحتوى اليوم ليس الجيل الذي مازال منهمكا في فكرة المحتوى المتميز من دون أن يصنعه، والحساسية العالية والمسؤولية المترتبة على نشر القصص الإخبارية، هناك كمّ هائل يحمل المفاجأة الإخبارية تصنعه التعليقات المقتضبة والمقاطع الفيديوية، بصرف النظر عن الغث فيها، يضخه جيل ساهم بإنهاء وظيفة الصحافي، وجعلها مهمة آيلة للزوال. وستصبح قريبا وظيفة بالية.
الوعد الذي يحمله إنترنت الأشياء يربط في النهاية كل شيء فيه! فلِمَ لا يكون توق الفتى الذي اقتنى هاتف أي فون الثمين، إلى صناعة صحيفته في المستقبل، سيكون لكل شخص في جيل المستقبل صحيفته التي يسوّقها! لكن مهلا، من سيشتري ما كان يسمى صحيفة في يوم ما؟
مثلما يوجد اليوم كوب ذكي يباع بسعر 80 دولارا، يمكنه التحكم بدقة في درجة حرارة الشاي والقهوة الموجودة بداخله، عبر تطبيق الهاتف الذكي. ستكون هناك صناعة صحافية تفتح الجريدة الضوئية على راحة اليد! من يقف خلفها ومن يصنع محتواها، بالتأكيد جيل آخر ليس فيه ما يسمى صحافيا اليوم!!
شون سميث، نائب مدير شركة معنية بوسائل إعلام رقمية، يفسر معضلة الصحافة اليوم بطريقة مثيرة للجدل، فيرى أن وسائل الإعلام الميتة لا يمكن أن تستفيق وتكسب الأرباح حتى وإن وضعت على المنصات الاجتماعية، لأن الميت ببساطة لا يشبه الحي!
لكن مثل هذا الأمر لا يقنع تماما كل صحافيي اليوم، لأنهم متمسكون بمهنة كانت قد رسمت على مقاسهم في يوم ما، ولسوء حظهم أنها متحركة بسرعة ولا تبالي بمن يتأخر عليها، مثل تيم برادشو مراسل صحيفة فايننشيال تايمز في لوس أنجلس، فهذا الكاتب البارع الذي لا يخفي على الأغلب رفضه وتذمره، لا يرى في الكوب الذكي مثلا، سوى حالة اختبار مثيرة للاهتمام على مكتبه، ولا يجد تفسيرا مقبولا لدفع مبلغ 80 دولارا مقابل كوب لا أكثر، وليس مثل الفتى في العراق، البلد الذي على الجهة الأخرى من الأرض، الذي دفع ألف دولار مقابل هاتف أي فون 10!
يمكن أن أسمي ذلك “متراجحة التوق” فجيل الفتى الذي يدفع مثل هذا المبلغ الكبير لاقتناء الجهاز الذكي يصنع من حياته اليومية قصة صحافية متناقلة بين الآلاف، بغضّ النظر عن أهميتها، والمراسل لأكبر الصحف العالمية لا يجد أنه يحتاج إلى كوب إنترنت الأشياء الذي يحافظ على الشاي والقهوة ساخنة، لأنه لا يبشر بخير! من دون أن يعترف برادشو أنه يقصد السوء الذي يمس طريقة عمله وتقديم أفكاره الصحافية من ذلك الذي لا يبشر بخير.
حتى لو كان ثمن الكوب عشرة دولارات فإن مراسل فايننشيال تايمز، لم يكن ليقتنع بأنه مفيد للغاية، فلا شيء يذكره بالاسترخاء وصفاء الذهن المهيّأ للتفكير والكتابة بعد شرب قدح من القهوة التي يعرفها، لأنه ليس بحاجة إلى كوب ذكي كي يقرع رأسه من أجل ذلك!!
مع ذلك يتفهم برادشو، على الرغم من شكوكه، لماذا يجد الكوب الذكي منطقته الخاصة “هناك شيء مثير للدهشة ويدعو إلى السرور بشأن كوب من الشاي لا يبرد، ولت الأيام التي كنت أضع فيها كيس شاي في كوب، ثم أصب الماء عليه، ثم أنشغل عنه بأمر ما، ثم أعود بعد نصف ساعة لأجد أن الشاي قد برد وتخمّر”.
وهذا ينطبق على جيل صحافي لا يريد أن يقتنع، أنه لا يمكن أن يستمر بذلك إلى الأبد.
سبق وأن توصل ثلاثة باحثين حول كيفية قراءة الناس للأخبار عبر الإنترنت، إلى نتيجة مخيبة بشأن مدى استقطاب مصادر الأخبار، بدأ الباحثون ببيانات جمعت عن 1.2 مليون مستخدم للإنترنت، لكن انتهى بهم الأمر إلى تفحص ودراسة خمسين ألف مستخدم فقط. لماذا؟ لأن 4 في المئة فقط من أفراد العينة قرأوا ما يكفي من الأخبار الجادة التي تستحق أن تدخل في نطاق مثل هذه الدراسة. كان المطلوب عشر مقالات واثنتين من مقالات الرأي على مدى ثلاثة أشهر.
هذا يعني أننا كصحافيين نعزل أنفسنا في فقاعات أيديولوجية، وفق تعبير الكاتب تيم هارفورد “ونتعرض فقط لآراء الذين لديهم طريقة تفكيرنا نفسها”.
الحقيقة تنطوي اليوم بالنسبة للمتمسكين بالطراز البائد من الصحافة أن متصفحي الإنترنت، لا يثير قلقَهم أمرٌ ليبراليٌ أو محافظ، بل إنهم لا يهتمون بما تنتجه الصحافة أصلا!

18