عندما تُضاعف صور الموائد الغزاوية لوحات عمالقة الفن الهولندي

الصورة الفوتوغرافية الغزاوية تتخطى ما تقدمه لوحات الموائد الهولندية حين تعكس نظرية التباين بين حميمية دواخل البيوت وحيادية العالم الخارجي.
الجمعة 2019/05/31
موائد طعام هولندية احتفت بالحياة العادية

آلاف الموائد التي كانت والدتي تعدها لنا في وقت حددته ساعة عودة والدي من العمل لا زالت تسكنني. كنت أنا وإخوتي نجلس على الكرسي الذي اعتاده، في حين كانت تجلس والدتي على يمين والدي مُترئسا طاولة السفرة بابتسامته المعهودة، وكنا نتناكف ونتضاحك أنا وإخواني لاسيما إن كانت إحدى الوجبات المُقدمة لا تليق بذوق أحدنا.

أذكر أن كراسي الطاولة لم تسلم من الخلخلة لكثرة ما تأرجحنا عليها، وكان أحد منا لا يغادر الطاولة قبل أن يقوم الجميع عنها وقبل أن ينهي ما في صحنه. كانت هذه أيام عذبة لا أعتقد أن الجيل الجديد يعرف طعم حلاوتها وهدوءها الذي كان يعطي للمواقيت أحقيتها ولـ”جَمعة العائلة” أهميتها.

عندما أشاهد بعضا من لوحات فناني العصر الذهبي الهولندي أعود في الذاكرة إلى موائد الطفولة، أسرح في أجواء اللوحات الساردة لتفاصيل الحياة العادية، لاسيما تلك التي تصوّر الطبيعة الصامتة بشكل عام ومشاهد تحلّق العائلة حول وجبات الطعام بعفوية وسرور بسيط.

إنها لوحات سردية بامتياز لا تدعي أي غايات فلسفية، إلاّ إذا اعتبرنا ابتغاء الحياة البسيطة ابتغاءً فلسفيا، والأحرى بنا اعتبارها كذلك، لأنها تمثل اليوم ما فقدنا من ألفة وتبسّط وحميمية.

ولعل أجمل اللوحات الهولندية التي تعبر عن هذه الأجواء التي نبتعد عنها يوما بعد يوم، هي تلك التي رسمها الفنان جان ستين وفيرمير وبياتر دي هوخ، لوحات تصور مجموعات من الناس أو أفرادا لا يعرفون طعم الملل أو القلق وإن كانوا يرزحون تحت ضغط معيشي.

كما تصوّر اللوحات الهولندية موائد الطعام احتفالا بالحياة العادية واستمراريتها، كذلك تفعل الصورة الغزاوية في الإفطار الرمضاني، ولكن بشكل مُضاعف: غصبا عن الدمار المحيط

ومن بين هؤلاء الفنانين تميزت لوحات جان ستين بحس الفكاهة وبمشاهد الفوضى أثناء وجبات الطعام، أما لوحات بياتر دي هوخ فأروع ما فيها أنها تفتح حقل نظر المُشاهد إلى ما خلف المشهد الرئيسي بسبب وجود نوافذ وأبواب تفضي إلى مشاهد خلفية أخرى. الناس في لوحات هؤلاء الفنانين منهمكون بأعمال يومية حينا، ومجتمعون حول موائد الطعام حينا آخر.

وفي ارتباط “مناخي” مع تلك اللوحات نذكر نوعا آخر من اللوحات، من ذات الحقبة الفنية تكاد تكون تفصيلا منها، وهي لوحات الطبيعة الصامتة التي كان الفنانون يستعرضون فيها براعتهم المُطلقة في رسم شفافية زجاج الأواني و”معدنية” الصحون، إضافة إلى براعتهم في رسم الطرائد والفاكهة والخضار وكل ما يمكن أن يخطر على البال من مقتنيات تذكّر بالوفرة من جهة وبآنيتها من جهة أخرى.

اليوم، شاهدنا النسخة المصرية المُعاصرة لأجمل لوحات عمالقة الفن الهولندي: صورة فوتوغرافية لإفطار رمضاني عام سُكبت أطرافه على طول أحد شوارع القاهرة وجلس أمامه من يعادل ألف شخص أو أكثر.. نساءً ورجالا وأطفالا انهمكوا بسكب الطعام والعصير والحديث والتعارف دون تكلف وادعاء.

وجاء المشهد ملونا بالطعام الوفير والبسيط غير المُنمّق و”المُزخرف” لمجرد كونه نعمة لا تحتاج إلى أية زينة إضافية أو تكلف بشع، من قبيل تقطيع الخضار إلى أشكال فنية ستُرمى بعد أن ينتهي الفطور.

كما أظهرت الصورة المشهد مُرصعا بأضواء المصابيح البسيطة التي عُلقت فوق الموائد المُتراصفة، هذه الصورة لم تكتف بأن أخذتني بعيدا إلى موائد الطفولة، بل “حوّلتني” إلى صورتين فوتوغرافيتين اثنتين لإفطار في مدينة غزة الفلسطينية ومدينة سورية في وسط الخراب.

أود التركيز على إحداهما وهي الإفطار الغزاوي ربما لشعوري ضمنيا بأن المعاناة والصلابة الفلسطينية تختصران وأحيانا كثيرة تتخطيان معاناة وصبر الشعب العربي بأسره.

كما أود أن أطلق على هذه الصورة عنوان “الإفطار الهولندي المعاصر”، إفطار تضاعف فيه ما تجلى في اللوحات الهولندية، وظل يتكثف ويتكثف حتى برزت فيه معان ومعالم إضافية ومُعاصرة في الشكل والمضمون لم تتطرق إليها اللوحات الهولندية يوما.

لوحات سردية بامتياز
لوحات سردية بامتياز

أهمها أنه في حين تحدّ الموائد “الهولندية” تفاصيل حميمية لغرف الطعام أو المطبخ حيث يجتمع الحاضرون، يبدأ عند أطراف شراشف طاولات الإفطار المتراصة في الصورة الغزاوية ليس حميمية الغرف، بل امتداد الدمار الكلي الذي لحق بمنازلهم.

وعوضا عن لوحات “الطبيعة الصامتة” التي كانت تُعلّق في غرف الطعام لتظلل بأجوائها المجتمعين حول المائدة برزت مشاهد غير مؤطرة للدمار المحيط في الصورة الغزاوية لتحيط بالمجتمعين. إنها مشاهد لـ”طبيعة صامتة” تصرخ بمعاني اندثار مضاعف لأنه مُشار إليه مباشرة وليس ترميزا، كما في اللوحات الهولندية.

وكما تصوّر اللوحات الهولندية موائد الطعام احتفالا بالحياة العادية واستمراريتها، كذلك تفعل الصورة الغزاوية في الإفطار الرمضاني، ولكن بشكل مُضاعف: غصبا عن الدمار المحيط.

وكما في اللوحات الرائعة للفنان بياتر دي هوخ حيث تحضر الشبابيك والقناطر والأبواب التي تأخذ عين المُتلقي بعيدا إلى خلفيات اللوحة الواحدة، تحضر الأبواب “غير المرئية” في الصورة الغزاوية مُشرعة حقل البصر إلى مشاهد خلفية مُضاعفة لأنه الدمار ثلاثي الأبعاد.

وتتخطى الصورة الفوتوغرافية الغزاوية ما تقدمه لوحات الموائد الهولندية حين تعكس نظرية التباين بين حميمية دواخل البيوت وحيادية العالم الخارجي. في الصورة الغزاوية يصبح الحميمي هو الخارج الذي تتشاركه الجماعة في تفاصيل تمجد بأضعاف مُضاعفة الحياة والحب، ويصبح للطعام مذاق قرابين الخلاص مع كل “مُناولة” لحبة تمر أو شربة ماء.

17