عندما تُضرب باريس

الاثنين 2015/11/16

خلال الحرب العالمية الثانية تحدث المنظر الأيديولوجي للنازية، ألفريد روزنبورغ، في أحد الأيام أمام نخبة من رجال الدّولة، فقال لهم: لا يمكننا القضاء على روح الأنوار وقيم الثورة الفرنسية إذا لم نتمكن من تدمير العاصمة الفرنسية باريس. كان الرّجل يعرف ما يقول، وكان يدرك المهمة المنتظرة.

وعندما قرّر النازيون مهاجمة باريس انبرى الفرنسيون للمقاومة دفاعا عن فرنسا، عن قيم الجمهورية الفرنسية، وعن قيم الأنوار، وفعلا فقد قاوم المثقفون أيضا، وقدم الفلاسفة أنفسهم شهداء كبارا على رأسهم رائد التنوير الشعبي جورج بوليتزر. وقتها شعر الجميع بأن الأمر يتعلق بمعركة مفصلية بين الهمجية والحضارة. لكن، كان هناك درس هام. ما هو هذا الدرس؟ المعضلة الأولى أن الغرب لم يأخذ الخطر النازي مأخذ الجد إلاّ في وقت متأخر، بل متأخر جدا، فكانت الكلفة باهظة.

كان الاعتقاد السائد في بادئ الأمر أنّ النازية يمكن توظيفها ضدّ الشيوعية، ثم يمكن ترويضها، ثم يمكن تضييق الخناق عليها، ثم يمكن الإبقاء عليها في حدودها الجرمانية، ثم يمكن النأي بالنفس، إلخ. إنه نفس التلكؤ الذي تكرّر اليوم مع ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية”، فقد تساهل العالم مع التمويل الذي حظي به تنظيم الدولة الإسلامية من دول عربية وإسلامية معروفة، وغض الطرف عن تهريب النفط والآثار إلى دولة معروفة، وتغاضى عن الخطاب الطائفي الذي أجّج الهمجية التكفيرية عبر مختلف وسائل الإعلام، وتغاضى عن البرامج الدينية الرّسمية وشبه الرّسمية والمخيمات الدّعوية التي كانت، ولا تزال، تفرخ مئات الإرهابيين، وتغاضى عن خطاب الولاء والبراء الشائع في بعض مساجد الضواحي وبعض المراكز الإسلامية التي تمولها دول تدعم جماعات دينية بعينها، حتى وصل الخطر أخيراً إلى قلب الحضارة الغربية.

بدون شك، فقد كان الهجوم الذي تعرضت له باريس ليلة الجمعة هو الأول من نوعه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أوقع عشرات القتلى وعشرات الجرحى واستهدف عدداً من المراكز الفنية والرياضية والثقافية والسياسية، ثم أرغم فرنسا على اتخاذ قرار لم تتخذ مثله منذ الحرب العالمية الثانية: إعلان حالة الطوارئ في مجموع التراب الفرنسي، وإغلاق الحدود.

غير أن الهجوم إياه لم يأت صدفة، فقد كان ثمرة مرّة من ثمار الحرب الأيديولوجية التي أعلنتها السلفية الجهادية منذ سنوات التسعين، منذ انطلاق عشرية الإرهاب في الجزائر عام 1991، والتي سبقتها مراسيم زواج كارثي بين الأيديولوجية القُطبية ممثلة في شخص عباس مدني، والسلفية الجهادية ممثلة في شخص علي بلحاج. وإن كانت السلفية الجهادية قد فشلت في مستوى العصيان المسلح فإنها سرعان ما نقلت معركتها إلى المستوى الأيديولوجي، وخاضتها في الضواحي الفرنسية أيضا مستفيدة من هامش الحريات، قبل أن تلتقي مؤخرا مع الحالة الانفعالية التي أحدثها تنظيم الدولة الإسلامية. في المقابل لم يتم التعامل مع الحرب الأيديولوجية بالجدية اللاّزمة.

كان الباراديغم الذي طغى على الغرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة من سيطرة النيوليبرالية، أي منذ صعود مارغريت تاتشر في بريطانيا عام 1983 وصعود رونالد ريغن في أميركا عام 1984، إلى غاية اليوم، يقول، إن قيم اقتصاد السوق والتجارة الحرة قادرة من تلقاء نفسها على تقليص دائرة العنف في العلاقات بين الأفراد والمجتمعات. وكان هذا الرهان رهانا خاطئا في الأخير.

قبل يومين، وجدت فرنسا نفسها في حالة حرب يصعب التكهن بمآلاتها. لكن، هناك في كل الأحوال درس هام: في مواجهة الهجوم النازي خلال الحرب العالمية الثانية لم تنعطف فرنسا نحو اليمين المتطرف، فقد حافظت على روحها وأنوارها، بل قاوم بجانبها مقاتلون مغاربيون مسلمون كثيرون إما لاعتبارات مهنية، أو لحسابات سياسية، أو حتى بدون اعتبارات. والأمل كل الأمل ألا ينسى “الأهالي” هذا الدّرس الكبير.

كاتب مغربي

9