عندما رفض حفتر التوقيع على شرعنة التدخل التركي

على القوى الإقليمية والدولية المناصرة للحق والعدل والرافضة لتوسع تركيا وتدخلها في المنطقة العربية أن تأخذ تهديدات أردوغان في الاعتبار، وأن توقف مشروعه عند حده.
الأربعاء 2020/01/15
ورقة عمل تمثّل اعترافا متبادلا بين الروس والأتراك بالتدخل في ليبيا

لم يفض اجتماع موسكو بخصوص الأزمة الليبية إلى أي نتيجة تذكر. المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش عاد إلى بنغازي دون أن يوقّع على ورقة العمل التي أعدها الروس والأتراك، عودته جعلت أنصار الجيش يتنفسون الصعداء، فليس بعد كل التضحيات التي قدمت والأرواح التي أزهقت والدماء التي سفكت، يقبلون تشريع التدخل التركي وتحويله إلى أمر واقع.

بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ فجر الأحد الماضي، جرى الحديث عن ضغوط دولية وإقليمية على القيادة العامة للجيش الوطني للقبول بالقرار الذي كان فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان قد أعلناه قبل أيام، والذي كشف عن وجود تنسيق بين الطرفين لاعتماد النموذج السوري في حل الأزمة الليبية، بمنطق أن لا يجوع الذئب التركي ولا يشتكي الراعي الروسي، وكذلك بمعنى أن يتواصل التقاسم الروسي التركي لسلة المصالح المتعلقة بسوريا وليبيا والغاز والمحيط الحيوي وبرامج إعادة الإعمار في الدول التي دمرتها الحروب والصراعات.

كان تحرير سرت وتقدم الجيش الوطني نحو وسط طرابلس ومشارف مصراتة، قد دفعا إلى التسريع بالبحث عن حل مؤقت قبل عقد مؤتمر برلين للدول المؤثرة في الملف، وتمت دعوة المشير خليفة حفتر إلى روما حيث اجتمع بالمسؤولين الإيطاليين وبوفد أميركي مهم، وحصل الأمر ذاته مع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، بينما كانت روسيا وتركيا تتفقان على اختطاف دور مشترك بينهما، حيث يتشاركان رعاية أي اتفاق ضمن استراتيجيات التنسيق بينهما.

جاءت ورقة العمل المطروحة في موسكو لتمثّل اعترافا متبادلا بين الروس والأتراك بالتدخل في ليبيا.

كاد أردوغان وبوتين يعلنان أنهما المعنيان أكثر من غيرهما بالملف، كل المؤشرات تقول إن لا وجود لتدخل روسي مباشر، وبالمقابل تؤكد على وجود تدخل تركي سافر، بالسلاح والمرتزقة والخبراء والضغط السياسي والدبلوماسي والخطاب المتشنج والتآمر المفضوح والتهديد المباشر لأغلبية الشعب الليبي ولقواته المسلحة.

تحولت ميليشيات فائز السراج والمرتزقة الأتراك والسوريون وغيرهم من الملتحقين بها، إلى قوة معترف بها، وأي حديث عن حل الميليشيات كان سيبقى حبرا على ورق، باعتبارها جزءا من سلطة حكومة الوفاق وصاحبة اليد الطولى فيها، ولن يستطيع أي طرف كبح جماحها، وسيتم تبرير اختراقاتها بأنها مبادرات فردية، وسيجد الروس الذين كفّرهم إخوان ليبيا واعتبروهم أعداء لهم، أنفسهم في موقف صعب إذا فكروا في النزول على الأرض في مناطق الميليشيات، تماما كما هو الأمر بالنسبة للوضع السوري، كما سينظر أنصار الجيش إلى الأتراك على أنهم أعداء ومستعمرون جدد طامعون في مقدراتهم.

إن أول المشاكل المطروحة، هو أن يُساوى بين جيش وطني وميليشيات خارجة عن القانون وتحمل نزعات التطرف والإرهاب والشوفينية الجهوية والعرقية والقبلية. وبين القوات النظامية التي تسيطر على أكثر من 90 بالمئة من مساحة البلاد، وبين حكومة السراج المعزولة في طرابلس والمرفوضة شعبيا والفاشلة سياسيا واجتماعيا.

وكذلك بين مجلس النواب المنتخب ومجلس الدولة الاستشاري الذي تم تشكيله في ضوء اتفاق الصخيرات، فقط بهدف إعادة تدوير ورسكلة قوى الإسلام السياسي.

ولا شك أن عودة الجيش إلى ثكناته، كانت ستمثل ضربة للمدن والقرى والقبائل التي ساندته، وخاصة في المنطقة الغربية، وهو ما جعل القيادة العامة للقوات المسلحة تعلن أنها لن تتخلى عن مواقعها التي كسبتها بدماء أعداد من أبنائها، فمن وراء ورقة الاتفاق هناك سعي خفي لتقسيم البلاد وتحويلها إلى مراكز نفوذ أجنبية، على أن يكون لتركيا موقعها في غرب ليبيا، وهي التي لم ترسل خبراءها العسكريين ومرتزقتها وشحنات السلاح والذخيرة، ثم لم توافق على اجتماع موسكو إلا من أجل ذلك.

هناك اعتقاد شعبي غالب في ليبيا مفاده أن الجيش هو الوحيد القادر على حماية سيادة الدولة ووحدة أراضيها وتحصين مقدراتها، وأن أي حل سياسي لن يتحقق إلا بعد ذلك، لكن يتضح اليوم أن قوى أجنبية عدة لا تريد لليبيا أن تستعيد سيادتها بالشكل الذي يصون استقلالية قرارها، فكل طرف يريد أن يكون له مسماره الذي يدقه في جدار البلاد ليستفيد منه في الوقت الذي يختاره.

ومن هذا المنطلق فإن تركيا تعمل على تكريس دور حلفائها من جماعة الإخوان والجماعة المقاتلة ومن الفاعلين الجهويين، وخاصة من مصراتة، في أي حل سياسي منتظر، وتعمل على تحصين أمراء الحرب وقادة الميليشيات ودعاة الإرهاب وأباطرته الموغلين في دماء الليبيين، خصوصا وأنه لم يتم التطرق، في أي مناسبة، إلى تعريف الإرهاب وتحديد من يقف وراءه في ليبيا، ولا إلى محاسبة من أجرموا في حق شعبهم ودولتهم منذ العام 2011.

هل سيخرج الليبيون من أزمتهم؟

بالتأكيد لا. فالقضية تتعلق بالأساس بالصراع بين الأغلبية الساحقة من الشعب الليبي وجيشه وقواه الحية من جهة، وبين أقلية من القوى المؤدلجة وضعت يدها على مؤسسات ومقدرات الدولة منذ العام 2011 بمنطق الميراث والغنيمة، وتستفيد في الدفاع عن مصالحها بميليشيات مرتزقة وإرهابيين، وتستعمل كل شعارات التمييز بين الليبيين، ثقافيا وجهويا وعرقيا، لإقصاء الأغلبية.

إن تهديدات رجب طيب أرودغان، الثلاثاء، للمشير خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي، تؤكد أنه كان يعتمد كثيرا على اتفاق موسكو وما تضمنه من فخّ أريد نصبه بعناية للدولة والشعب والقوات المسلحة في ليبيا، جعل رئيس المجلس الرئاسي ورئيس مجلس الدولة الاستشاري يمضيان عليه، بأمر وإشارات طمأنة من وزيريْ الدفاع والخارجية التركيين.

على القوى الإقليمية والدولية المناصرة للحق والعدل والرافضة لتوسع تركيا وتدخلها في المنطقة العربية أن تأخذ تهديدات أردوغان بعين الاعتبار، وأن توقف مشروعه عند حده، فالرجل بات كالثور الهائج في حلبة الصراع، وقد يبادر بأي جريمة ضد الليبيين بعد أن أطاح المشير خليفة حفتر بطموحاته المعلنة، بمجرد أن رفض التوقيع على اتفاق موسكو المشبوه.

9