عندما صمت "الحجي"

الأحد 2013/11/24

في ذلك المقهى القابع على زاوية شارع لندني وأمام صالة قمار خصصت للعجزة ممن لا يتمكنون من الوقوف ساعات عند طاولات الروليت كما يفعل أثرياؤنا العرب، فيلجأون للجلوس على كراسي متقشفة ينتظرون حلول أرقامهم على شاشة كبيرة، ليفوزوا ببضع جنيهات تسرهم لليال باردة.

في ذلك المقهى يفترش "الحجي" مقعد الريادة والسيادة بصفته مالك المقهى، بل والمبنى بكامله ومبان كثيرة في عاصمة الساكسون.

يتفرس "الحجي" زوار مقهاه بعين فاحصة وهو يشوح بسبحته الكربلائية يمنة ويسرة. ثم يعمل عينيه الحادتين لتشخيص حالة كل زبون. وخاصة الشباب منهم بصفتهم فرائس، أما من تجاوز عمر الزهور فينصت بصبر ليعرف من هو، ومن أي بلد، ولماذا هو هنا، وماذا يعمل. ففرص الرزق تأتي، دائما، سهلة للمنتظريــن كثيرا.

تزيّن مقهى "الحجي" عاملات جميلات من بقاع الأرض المختلفة، فمن تركيا إلى رومانيا وحتى إيطاليا. شابات يأتين من ريف بلادهن إلى صخب لندن ليتعلمن اللغة، ولدفع مصاريفهن يلجأن للعمل في المقاهي والمطاعم، حيث يوفر لهن مبلغا يقيم أودهن ويسدّ أجرة المأوى.

يبدو "الحجي" أمام زبائنه، كما لو أنه لا يقيم لفتيات مقهاه اعتبارا يذكر، ولا يهتم بجمالهن الطافح، رغم أنه هو من يختارهن بعناية للعمل. وينصرف "الحجي" بكل جلد، وبصوت مرتفع، للحديث عن القضايا السياسية العربية. فيختلط في مقهاه السياسة بالجمال. جمال العاملات.. وجمال المستعملات.

وهنا يتمتع من هم أمثالي بسماع خطب سياسية عصماء وسط تلوي أجساد المرمر اللينة.

ولا ينفك "الحجي" عن تبرير أفعال حكومة العراق الحالية وشتم الزعيم السابق. حتى ليكاد أن يخلط في حديثه بين أخطاء عاملاته الكثيرات وبين جرائم صدام، فلا تكاد تستبين من الذي ارتكب تلكم الحماقة الأخيرة.

ولا يفتر "الحجي" عن التطرق لدول الخليج، فيسرح ويمرح في تحميل الخليجيين كل ما يعثر عليه من آفات العالم، ويعرج على فقه مذهبه فيرتفع علو سبحته التي تتحول إلى طاحونة هولندية، لاسيما حين يتحدث عن أهل البيت.

ووسط أحاديثه السياسية والفقهية تجده يقهقه ساخرا من النواصب، في حين أن معظم رواد مقهاه من العرب يظنون أنه يقصد المحتالين من النصابين وهو ما يقصد بالطبع إلا طائفتهم.

كان على من يستمع إلى "الحجي" أن يكون أكثر دقة في متابعة كيف تندلق بطنه المنتفخة إلى خارج كرسيه حين يغضب، وكيف يتوجب عليه الصبر لسماع شجبه العنيف للمتمردين على القيم والأخلاق الإسلامية التي سنها "محمد وآل محمد" بلهجته العراقية الجميلة، والتي تختلط أحيانا برماد الموسيقى الإيرانية في اللفظ والإيقاع.

وكانت ليلة ليلاء حين تدلى "الحجي" من مقعده ليعنف إحدى العاملات لديه لخطأ طفيف ارتكبته، لكنه هذه المرة لم يحسن التقدير فكانت العاملة لبنانية جنوبية كعواصف إقليم التفاح، فإذا بها ترد على كلمة غير مؤدبة فلتت من "الحجي" لا تتفق مع تقاليد الإسلام لتكشف للمشاهديـــن حالا للـ"الحجي" لا تسر، وكيف كان يبتزها ويتمتع بغيرهـــا من العاملات.

طردت العاملة بالطبع، لكن "الحجي" صمت من بعدها وتوقفت بطنه عن الخروج من المقعد.

24