عندما كان قلب السماء وحيدا: أيام في بلاد المايا

الأحد 2014/09/14
أبراج المايا نسبة إلى الروزنامة القديمة 20 برجا

"عندما لم يكن هناك عصفورٌ واحد

ولا سمكةٌ واحدة

ولا حتى جبلٌ واحد

عندها كان قلبُ السماءِ وحيداً

كانت السماءُ وحيدةً والبحار كانت وحيدةً

ولم يكنْ هناك شيء آخر”.

بوبول فوه الكتاب المقدس للمايا".

عندما وصل رهبان الكنيسة الكاثوليكية الإسبان بصلبانهم إلى أميركا الوسطى، وبلغوا أرض المايا الممتدة على مساحة تشمل ما يعرف اليوم بغواتيمالا، بليز، هندوراس، السلفادور، ومعها جنوب المكسيك، حيث كامبيتشي، تشياباس، كينتانا رو، تاباسكو ويوكاتان، لم يكن حليقو الرؤوس هؤلاء يعرفون أن حضارة قامت هنا قبل ألفي سنة من ولادة المسيح، واستمرت حتى القرن العاشر الميلادي، عرفت الكتابة والهندسة والزراعة ونظم الري والعمارة والصناعة والحساب والفنون والدين وعلم الفلك، ولها تقويمها السنوي الخاص، وأن منظومة الحكم التي جاؤوا يقوّضونها ببنادقهم وفؤوسهم وفايروسات الموت التي حملتها أجسادهم، كانت تنهض على حكام ملوك وراثيين وكهنة ومعابد وطبقة من النبلاء، وأن (أجوا)، الحاكم القوي، والملك على الملوك، كان قد جالس الكهنة وعلماء الفلك وكبار الصناع والمهندسين، وسيّر تجارة مملكته في الممالك القريبة والبعيدة، وأن تسلسلاً هرمياً معقداً أعطى طبقة النبلاء دور الوسيط في البنيان الهرمي بين الملك والشعب.


حليقو الرؤوس


لكنّ حليقي الرؤوس الذين حملتهم مراكب الملك الإسباني منذ أن اعتبر كولومبوس نفسه مكتشفاً لأرض غير مطروقة، ومعهم جند الملك الذين تدفقوا على تلك الأرض، كانوا قد انتدبوا أنفسهم لمهمة مقدسة ترفرف على أسلحتها راية المسيح وملكه الإسباني، ستترك وراءها شعبا ممزقاً، وقد افتتحت له مقابر جماعية ستنقطع معها حلقة التطور الحضاري الخاص بهذا الشعب، وما تبقى من أطوار حياته التي عرفت ازدهاراً روحياً غير مسبوق في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والإنسان والحيوان. كما أنها عرفت الكوارث التي قطعت جزءاً من التسلسل الطبيعي لتاريخه، وتركت فجوات معرفية حار الغزاة بأسبابها، فابتكروا لها أسباباً، وظلت حقيقتها غامضة إلى اليوم.


لغات المايا


لماذا هجرت قرى وبلدات وممالك، في حين ظلت غيرها قائمة، ولماذا تاهت مدن في غابات كثيفة، وهجرت معابد لتكتشف بعد قرون، حتى، من وصول الغزاة الإسبان؟ أسئلة شتى، حاول دارسون من ثقافات مختلفة الإجابة عنها، من خلال المكتشفات والأبحاث الآثارية، وظل أكثرها معلقاً. لكن شعب المايا، وقبائله التي عرفت عشرات اللغات الخاصة بها، ظل إلى اليوم ينطق بـ22 لغة، بينها القيتشي والشينكا واللينكا والناهواتل، تتحدر كلها، على الأرجح، من أرومةِ واحدة هي أم لهذه اللغات، وتعتبر (القيتشي) الأكثر شيوعاً، وهي ما تزال قيد التداول في مناطق سكن المايا التاريخية، لا سيما أن هذه القبائل تشكل، إلى اليوم، الأكثرية، بين السكان الذين حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم وطقوسهم المميزة المتوارثة أباً عن جد، على رغم ما خالطها من معتقدات حملها الإسبان معهم، وطبعها الماياويون بطابعهم.

يمكن للمتجول هنا في الجبال عميقة الخضرة، أن يلحظ تلك الخصوصية ـالمذهلة في فرادتهاـ للمسيحية في طابعها الماياوي، وعلى رغم العمارة الكولونيالية التي تظهر خصوصا في بناء الكنائس والمراكز الحكومية والتجارية القديمة، إلا أن ملمساً وملامحَ وألواناً ذات خصوصية شديدة أسبغتها ثقافة السكان الأصليين على مفردات الفتح من دين ودنيا جديدتين، أعادت إنتاج هذا الحادث الاستعماري ووطّنته في البيئة الأصل، وقد أدخلت عليه من عندياتها ما لم يستطع الكولونياليون سحقه وإبادته طوال خمسة قرون، إنه الثقافة اليومية للناس وقد تسللت إليها طقسيات المايا ومفهوماتهم ورموزهم المنتشرة، من قطعة النسيج إلى حوائط العمارة، ومن الأناشيد والتوسلات القديمة إلى تراتيل الكنيسة، بل وصليبها المتوج بالنسر المقدس ذي الرأسين. كل شيء هنا يستحضر الأزمنة القديمة ويجدد في حيواتها، في محيط طبيعي آسر، من قامة المحارب بهيئته وملابسه ومعها أدواته، إلى أكواز الذرة وحبات القرع وما دأبت الأرض على إنباته، إنْ على منحدرات الجبال أو في السهول المحاطة بالبراكين.

بركان عملاق وفي رأسه غمامة هائلة تسامره ليبدو كأنه حجة المكان ومرجعه وعلامته الدالة


المستعمِر والمستعمر


لا يمل الناظر من النظر إلى تلك العناصر المشكلة للهويات المتصارعة وقد تصالحت على أرض الضحية، واتخذت مواضعها في المرئيات والمجريات، وصنعت هوية جديدة هي مزيج من هويات تصارعت وتلاقحت ثم استقرت. هوية المايا وهوية الغازي، ومن ثم الهوية الفائضة لعبيده المجلوبين من القارة الإفريقية. ما من هوة تذكر اليوم بين ثقافة المستعمِر وثقافة المستعمَر، وقد نشأت الدول الحديثة، واندحر الغزاة إلى قارتهم القديمة، تاركين دينهم في طبعة جديدة تقادم عليها الزمن، وقد طوقتها نباتات المايا وتخللتها رموزهم، فلم تتمكن من الذهاب أبعد مما ذهبت، بل لعلها استنفرت في ثقافات المايا عصب البقاء.

يعتقد الماياويون أن رفضهم الانصياع للغزاة كان من بين أبرز أسباب جلب الأفارقة المسروقين من القارة المجاورة لأوروبا للعمل عبيداً في حقول المستعمرات الأوروبية المنتشرة في جبال الكاريبي وسهوله، ويردّون ذلك إلى تلك النفرة التي أبداها الماياويون من الأوروبيين، والتي عبّرت عن نفسها في ثورات متعاقبة أملاها عليهم، وهو ما اضطر الإسبان وبقية الأوروبيين الغزاة إلى الاستعاضة عنهم بالأفارقة ليشتغلوا في مناجم الذهب والفضة والزئبق، وكذا في زراعة الحقول، لا سيما أن الأخيرين عرفوا مهارات أكبر بفعل واقعهم الجغرافي، ومساهمتهم الأساسية في خبرات العالم الوسيط.


ثياب الجدات


المبهج أنك ما إن تغادر المدن الكبرى وتبتعد عنها كيلومترات قليلة، حتى يصعب عليك أن تجد امرأة ترتدي سروالاٍ. الإناث، هنا، في محيط شيلا والبلدات الواقعة على الجبال والسهول المحيطة بها، من الرضيعة إلى الجدة، يرتدين الملابس نفسها التي كانت جداتهن الأوائل يرتدينها وهن يستطلعن سفن كولومبوس، قبل أن يدرك الرجال العراة المستنفرون برماحهم الخشبية، أن تلك البنادق التي تنكبها الغزاة إنما تُصدر أصواتاً غريبة تردي الإنسان عن بعد. زخارفها الملونة المشتقة من النباتات والأزهار وصيد الحيوان، وتصاويرها المستحضرة من صور الآلهة، والكائنات الخرافية، تتنفس وتعيش في تلك الأثواب الملونة والوزرات التي تحيط النساء وسطهن بها.

دعك من الرجال الذين لبسوا البنطال وانتعلوا الحذاء، واعتمروا القبعة الأوروبية، فهم يتكيفون كما لا تفعل المرأة، بل إن النساء وأشياءهن هنّ مستودع ثقافة المايا، والملجأ الذي لاذت به ثقافة الأمة لتحفظ نفسها من الفناء والاندثار. أي شعب لطيف هذا، يترك الحيوان طليقاً في البراري، وينقل أشياءه على كتفيه وظهره.

هل يعقل أن لا تكون تبادرت إلى ذهنه فكرة الاستعانة بالدواب للتنقل والنقل، أم أن عقائده لم تسمح له بذلك؟

من المرويات الشائعة، هنا، أن خيول فرسان الملك الإسباني الغزاة عندما وطئت أرض المايا ظن الماياويون الفارس وحصانه كائنا له ستة أرجل. وهذا يرجح أن ما عرفته آسيا وأوروبا من دواب كالحصان والحمار والثيران وسواها لم يكن موجوداً في القارة قبل وصول كولومبوس إليها في نهاية القرن الخامس عشر.

نسران من فنون المايا يمثلان معاً فكرة النسر المقدس ذو الراسين


شأن الحيوان


إلى اليوم، يواصل أهل المايا في قراهم وبلداتهم البعيدة عن وسائل النقل اجتياز المسافات بين الحقل والبيت وبين الأسواق والأزقة وعلى رؤوسهم، نساءً ورجالاً، أحمالهم الثقيلة، ونادراً ما ترى دابة تسير بحمل في جوار شخص عابر، بينما الحيوان معفى من هذه المهمات المتعبة.

لكأنّ شعوراً عميقاً لدى هؤلاء القوم بأن للإنسان شأن وللحيوان شأن آخر، وكلاهما جزء من منظومة الطبيعة وله فيها حقه كاملاً غير منقوص. لهذا ربما كان سكان المايا القدماء يصلُّون للأيل قبل أن يقتلوه ويقتاتون عليه، ولا يصطادونه إلا في أوقات محددة، ويكون محرماً عليهم في أوقات أخرى.

وبينما كان العراقيون والسوريون القدامى يمجدّون الثور الكادح في الحقل، ويرتقون به إلى رسوم الآلهة، ويدوّنونه في رقيماتهم الطينية، نثراً وشعراً، بوصفه الثور الإلهي المقدس، كان الماياويون الذين لم يستعملوا الثور في الفلاحة، ولم يعرفوا المحراث، يضعون بذورهم في حفر صغيرة، ويفلحون الأرض بآلاتهم الخشبية. ولم يضطروا لأن يعرفوا العجلة التي كان العراقيون القدامى أول من دحرجها في الأرض. كان النسر ذو الرأسين الرمز المقدس، والسماء تختطف أبصارهم إلى أعماق الوجود. وبينما الفلاح الماياوي يتراءى لي، الآن، نازلا بمعوله على حواف مدرج مزروع على منحدر في جبل بأنتيغوا، وفي جواره ماعز كبير يلهو، كان الرهام، وقتها، ينهمر خفيفاً على الزرع. حنو ما بعده حنو، وذلك ذكرني بجبال حجة في اليمن، حيث زرع ينمو وقد حول الفلاحون اليمنيون الجبال إلى مدرجات شاهقة مزروعة تداني بارتفاعها الغيم. على أن الماياويين طوروا نظام ري متقدم لحفظ مياه الأمطار من خلال شق قنوات لتسيير المياه وحفظها لاستعمالات شتى.


الطفرة الحضارية


يعيد دارسو تاريخ المايا من الكتاب الغربيين الطفرة الحضارية إلى مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وقد ضاعف من انتشار السكان ودخولهم مرحلة التحضر، اكتشافهم سبل الزرع والحصاد واعتمادهم على الأمطار في تجيير طرق ري مناسبة، لأرض ذات تضاريس جبلية تكثر فيها الغابات.

خلال جولاتي بالباصات ذات الألوان والرسوم الأشبه بأعمال الأطفال، كانت المشاهد الخضراء تترى لعينيّ في المنعطفات الجبلية التي كيفما دارت بي سوف يظهر، إن من خلال الاشجار العملاقة، أو عبر المساحات المكشوفة، بركان عملاق وفي رأسه غمامة هائلة تسامره ليبدو كأنه حجة المكان ومرجعه وعلامته الدالة. وهذا الكائن، أيضاً، سوف يحتل مكانته المقدسة بين كائنات الطبيعة في منظومة الموجودات الخارقة في عقائد المايا.

أي شعب لطيف هذا، يترك الحيوان طليقاً في البراري، وينقل أشياءه على كتفيه وظهره


عقيدة التناسخ


كما هو الحال بالنسبة إلى غالبية الشعوب التي عرفت أطواراً حضارية متعاقبة، فإن عقائد المايا تحتفظ بمنظومة من القيم التي تتصل بكل ما يربط إنسانها بما حوله، وفي هذا السياق تمكن الإشارة إلى ما سلف من نظرة الماياوي إلى الحيوان وعلاقته المميزة به.

تؤمن قبائل المايا في عقائدها المكتوبة وكذا في سلوكها اليومي بفكرة التناسخ، وتتجلى مكانة الحيوان والعلاقة به، على أفضل وجه، في هذه العقيدة، فهم، حسب تقويمهم، يتناسخون على شكل حيوان يؤثرونه. وخلال محادثات لي مع عرب يعيشون في ظهراني أهل المايا، أو في الجوار القريب (نيكاراغوا)، روت لي غدير أبو سنينة المترجمة من أصل فلسطيني المقيمة في نيكاراغوا، أن بيدرو تشبقهاي وهو يدين بدين المايا ويذهب إلى الشامان (الكاهن)، ويتبع تقويم المايا الذي يؤمن به، روى بيدرو كيف أنه يتحول مع منتصف الليل إلى هرّ، كلما رغب في ذلك. وعندما سألته: كيف تعرف أن روح القطة حلت في جسدك؟ كان جوابه أنه يعرف ذلك مما يعتمل فيه من رغبة في القفز، فيفعل، ثم يتهيأ له أنه صار هرّاً، ويشرع في المواء.

في حديث مشابه مع جدة لصديق يدعى إدغار كاليل من سان هوان كومالابا، فإن هذه السيدة العجوز التي لا تتحدث الإسبانية أبداً، رغم أنها تؤمن بالمسيح، تنطق بإحدى لغات المايا، روت عن نساء القرية الشريرات أنهنّ يتحولن ليلاً إلى خنازير. لكن، كيف تعرفين أن جارتك هذه هي نفسها الخنزير الذي يتجول في الشوارع ليلاً؟ هنا، قالت جدة إدغار إن الخنزير يشبهها. لكن، كيف كان شكلها قبل أن تتحول إلى خنزير؟ قالت إنها كانت طويلة وبيضاء وعيناها ملونتان.


الشرير الأبيض


لما كان أهل المايا، أو على الأقل 99 فاصل 9 بالمئة منهم سمر البشرة، قصار القامة نوعاً ما، وعيونهم غامقة، فإن أوصاف تلك السيدة كانت مختلفة، وهي بلا شك تتحدر من عائلة خالطت دماءَها دماءٌ أوروبية. قالت جدة إدغار إن أهلها اعتادوا أن لا يفتحوا أبوابهم لطارق في الليل، وأنهم كانوا يلزمون بيوتهم في مخابئ أمينة خوفاً من الشريرات اللواتي كن يتحولن إلى خنازير (والمقصود هنا الجارات). ولا يحتاج الأمر، الآن، إلى الغوص في أي خيالات بعيدة، فالسيدة الشريرة التي قصدتها جدة إدغار في حديثها كانت جارتها البيضاء الطويلة بعينيها الملونتين، وقد تجسد فيها كل ما رسخه الإنسان الأبيض الشرير في ذاكرة وخيالات أهل المايا الذين عانوا من هذا الأبيض الماكر والمؤذي إبادة وتنكيلاً، حتى باتت البشرة البيضاء عندهم ترمز إلى كل ما هو شرير.

عندما سألت الحفيد، هل تصدق ما قالته الجدة. أجاب لا بد أن كل ما ذكرته صحيح، فكافة أهل القرية يذكرون الشيء نفسه.

تلك، بلا شك، علامة دالة على طبقات موروثة من الألم والخوف والحذر والنفور من الأبيض غائرة في اللاوعي الجمعي لهؤلاء المقهورين، تجلت في جزء من ثقافتهم الروحية، وخيالاتهم القصصية. هذا ما يمكن أن نتلمّسه خصوصاً من أهل القرى، أما أهل المدن، لا سيما غواتيمالا سيتي، فتختلف نظرتهم، كما تختلف ملابسهم وأزياؤهم ومجمل سلوكهم، نسبة الى اختلاط أعراقهم، وما أتيح لهم من تفاعل أعاد إنتاج الثقافات والانفعالات والأفكار في جديد مقبول من الجميع. بل إنني لاحظت في العاصمة الغواتيمالية ميلاً عند بعض من قابلت من شابات وشبان يتحدرون من المايا ميلاً مرضياً إلى إنكار أصولهم، لشعور بالضعة، ربما، مصدره التهميش والتمييز، وتؤثر كثرة منهم الادعاء بأنهم ينتمون إلى ما يسمى بـ(مستيسو) أي (مختلطون)، حتى عندما تفضح بنياتهم وملامحهم أصولهم القبلية، ويترك سلوك كهذا في نفس المرء شعوراً مؤسفاً حقاً.

11