عندما نبدأ في الانهيار تظهر الساحرات

الجمعة 2016/05/27
سيرولنيك: الإيمان الذي ينقذنا ليس قابلا للتفاوض بأي شكل من الأشكال

في كتاب بعنوان “جنّات منتشية، سعادة بطولية”، الصادر مطلع ربيع العام الحالي، يحاول عالم النفس الفرنسي بوريس سيرولنيك البحث في أسباب تعلق عدد كبير من شباب الجيل الثالث من المهاجرين بـ”الجهاد” مقدّما قراءة جديدة للعمليات الإرهابية.

وفي حوار أجرته معه الأسبوعية “لوبس” في عددها الصادر في الأسبوع الثاني من شهر أبريل من هذا العام، تحدث بوريس سيرولنيك عن ظاهرة “النزوع إلى البطولة” التي ظهرت مع الشباب الجهادي في مطلع القرن الحالي قائلا “لقد بدأت حياتي مع بروز الأنظمة الشمولية. وقد اختفت عائلتي، وكدت أختفي أيضا. وكنت أعتقد أن المسألة سوّيت، وبالتالي لن تظهر مجددا. لكن في الفصل الأخير من حياتي، عادت للظهور مرة أخرى”.

يضيف “في كلّ الثقافات،عندما يواجه مجتمع ما، أو مجموعة ما مشاكل ناتجة عن إهانة، أو عن تمزق اجتماعي، تبرز في الحين لغة شمولية تتخذ أشكالا مختلفة بحسب الإطار الثقافي. والإهانة التي لحقت الألمان بسبب معاهدة فارساي بعد الحرب الكونية الثانية، وانهيار الدولة عند حدوث الأزمة الاقتصادية عام 1929 كانا السبب في بروز النازية. ومنذئذ أخذت ظاهرة النزوع إلى البطولة في الاستفحال وأصبح أدولف هتلر بطلا، إذ أنه قدم نفسه كمنقذ للشعب الألماني المهزوم والمهان”.

ويتابع بوريس سيرولنيك قائلا “هناك جملة للمؤرخ الفرنسي ميشلي يقول فيها «عندما تبدأ الدولة في الانهيار، تظهر الساحرات». وأنا عاينت هذا في الكونغو. فقد كنت هناك في مهمة، وحالما حدث انهيار ثقافي، هرعت إلى البلاد مجموعات مختلفة من الطوائف، ومن الملل والنحل بهدف الدعوة إلى أفكارها. وفي الشرق الأوسط، حيث نعاين دولا كثيرة بصدد الانهيار، يلجأ الناس إلى الطوائف وإلى المجموعات الجهادية التي تتبنى خطابا دينيا متشددا وشموليا. ويبرز المنقذ الذي يقول إنه مستعد للموت، وإن الناس سيحبونه، وسيتعلقون به بعد أن يموت، وسيصبح البطل المحبوب. وفي بلدان الشرق الأوسط هناك 14 مليون طفل من اليتامى والمهملين، والمعوقين، ومن أبناء العائلات الفقيرة والمعدمة”.

ويرى بوريس سيرولنيك أن شباب الضواحي في باريس، وفي المدن الفرنسية الكبيرة، والذين ينتسبون إلى الجيل الثالث من المهاجرين هم أيضا ضحايا للإهمال، وغالبا ما يتركون الدراسة مبكرا ليجدوا أنفسهم في الشوارع. وعندئذ يصبحون معرضين للتأثيرات السيئة.

وعلى المستوى العاطفي يجد هؤلاء أنفسهم، كما يرى سيرولنيك، محرومين من الحنان والحب. وما يزيد في عذابهم هو عدم قدرتهم على الكشف عمّا هو مخبوء في داخلهم. وهم يصطدمون بالعنف في كل خطوة يخطونها. والذي يفرض نفسه بينهم هو ذلك الذي يمتلك قبضة قوية، أو يكون ماهرا في استعمال السكين، أو في ابتكار الحيل الشيطانية.

ويلفت الكاتب إلى أن هؤلاء الشباب المهمشين قد يصبحون في البداية لصوصا أو نشالين أو غير ذلك. وقد يحاكمون فيجدون أنفسهم في السجن مع شباب جهادي. وسرعان ما تتوطد العلاقة بينهم وبينه فيتعلقون بأفكاره، ويصبح بطلا بالنسبة إليهم، به يهتدون ويقتدون.

وحال خروجهم من السجن، ينخرطون في المجموعات الجهادية، والحلم بالجنة يجعلهم مستعدين للموت في أي لحظة، ذلك أنهم يعتقدون أن السعادة سوف تتحقق لهم في العالم الآخر. وما تسميه وسائل الإعلام بـ”العملية الانتحارية” هو في الحقيقة “موت مقدس” عند هؤلاء. وعن “النزوع إلى البطولة”، يكتب بوريس سيرولنيك قائلا “يا لها من سعادة أن نتبع بطلا يثير حماسنا. ونحن بحاجة إلى الاعتقاد بأن هذا البطل هو فوق الجميع لكي تلهبنا السلطة التي نمنحها له، وتحقق لنا الثقة بالنفس، يا للسعادة في المأساة. البطل في زمن السلام يوقظنا وهو يلعب مع الموت، لكن في زمن الحرب، تعطينا بطولاته إحساسا قويا بالحياة في الوقت الذي نشعر فيه بأننا نحتضر نفسيا”.

يتابع “عندما يكون هذا البطل قد حقق تفوقه على الناس، يكشف عمّا نمتلكه نحن من فضائل لم نكن نعرفها من قبل. لكن عندما يحدث انهيار فردي أو جماعي، شعورا بالضياع، فإن التمزق أو الوجع الناتجين عن ذلك يعمقان لدينا الشعور بالحاجة إلى «البطل المنقذ».. والطاعة العمياء تمنحنا ثقة لا متناهية بأنفسنا وتفقدنا كل استقلالية فكرية. والإيمان الذي ينقذنا ليس قابلا للتفاوض بأي شكل من الأشكال. والذي يحاول أن يبث الشك فينا يهز ثقتنا بأنفسنا، ويدمر حماسنا وحيويتنا، إلى الموت إذن. والأمر لا يتعلق بمنافس يمكننا أن نتصارع معه، بل بعدوّ يعتدي علينا، ومن الواجب شرعيا أن نلغيه من الوجود”.

15