عندما نسينا ماركس

الاثنين 2015/09/21

كنت في إحدى فترات طفولتي، أتمنّى أن يُحولني مصور بارع إلى صورة بالفعل، بحيث لا أبقى على هيئة إنسان. وتحسبا لنجاح العملية كنت أوصي والديّ بأن يحرصا عليّ لكي لا تمزقني أختي الأصغر مني سنّا. وعندما كبرت أدركت بأنّ أمنيتي لن تتحقق؛ فحتى بعد أن ألتُقِطت لي العشرات من الصّور بقيتُ على هيئتي. ثم استنتجت في الأخير أن لا شيء يتحول إلى صورة. غير أني سأدرك لاحقا بأني ربما تسرعت في هذا الاستنتاج. ذلك أن عالم اليوم عالم أخذت فيه صورة الواقع مكان الواقع المادي. أو هكذا تبدو الأمور.

كان مارتن هيدغر يرى أن خطاب الحداثة انتهى إلى نسيان الوجود لفائدة الموجود، وبوسعنا أن نرى اليوم كيف انتهى خطاب الرأسمالية إلى نسيان الوجود الاجتماعي لفائدة العلامات والرّموز والصور، ما يحيلنا مباشرة، ومرّة أخرى، إلى أطروحة الناقد الكبير للاقتصاد الرّأسمالي، كارل ماركس.

سبق لماركس أن أماط اللثام عن ظاهرة بسيطة، لكنها كانت المدخل الأساس لمشروعه في نقد الاقتصاد السياسي. فقد لاحظ كيف أصبح السّوق في النظام الرأسمالي يعرض أمام المستهلكين بضاعة أو خدمة بنحو يحجب عنهم كل الظروف الاجتماعية لأولئك الذين أنتجوا تلك البضاعة أو وفّروا تلك الخدمة. هذه هي الملاحظة التي تفرض نفسها اليوم ببداهة أكبر، وذلك جرّاء سيادة نوع من الثقافة الاستهلاكية: حين نريد أن نقتني حذاء أو سيارة أو مسحوقا للصابون، فإننا نسأل عن جودة الإنتاج، لكننا لا نسأل عن تلك الجودة بكل المعايير، إذ ثمة معايير للجودة لا تعنينا ولم نتعود على السؤال عنها، تتعلق بالظروف الاجتماعية والكلفة الإنسانية التي رافقت عملية الإنتاج. وذلك هو الخلل “الإنساني” الذي يَسترعي اليوم انتباه أنصار ما يسمّى بالتجارة العادلة أو المنصفة، فيما يبدو بمثابة محاولة لتخليق العولمة الرأسمالية.

في المرحلة الرّاهنة للمنظومة الرّأسمالية العالمية أمست البضاعة أكثر قربا من المُستهلك، معروضة أمامه على الرّفوف داخل مراكز التسوّق، يفحصها بملامسه من دون وسطاء آخرين. أصبح المستهلك يقف وجها لوجه أمام البضاعة، في لقاء مفتوح وتجربة ذاتية بلا وسطاء، وأمست المنتجات معروضة في احتكاك مباشر وشفاف مع المستهلك. لكن خلف هذا الانكشاف، ثمة معطى يزداد اختفاء واحتجابا عن المستهلك، هو الظروف الاجتماعية والكلفة الإنسانية لعملية الإنتاج. لا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل الأدهى من كل ذلك، أن المنتوج نفسه فقد بُعده المادي، وأصبح يُختزل في مجرّد صورة رمزية أو بصرية.

لقد تمّ اختزال جودة المنتوج في مجرّد علامة، وأصبحت العلامة كافية للدّلالة على الجودة والإيحاء بأنّ كل شيء على ما يُرام، بصرف النّظر عن الظروف الاجتماعية للإنتاج وبغض الطرف عن مادّة المنتوج. لم تعد علامات البضائع اليوم تدلّ على البضاعة، وإنّما أخذت العلامة موضع البضاعة، أخذت العلبة مكان المعلّب، اختفت مادّة الإنتاج والتي لم تعد تقدم نفسها سوى من خلال الصّورة والعلامة والأثر. إننا اليوم، لم نعد نبيع أو نبتاع غير الرّموز، لم نعد نسوق أو نتسوق أكثر من العلامات. والنتيجة، لقد حلّت الصورة محل الواقع، وحل الرمز محل المعنى، وأصبحت الكلمات أهم من الأشياء، والألفاظ أهم من المعاني، والأقوال أكثر دلالة من الأفعال. في هذه الأجواء من الرّأسمالية التي حجبت الواقع خلف الرمز والعلامة صرنا نسمع عن زمزم كولا، والماكدونالد الحلال، والمايوه الشرعي، والهاتف الإسلامي، إلخ، وهي عبارات لا تدل، بالضّرورة، على مضمون البضاعة المسوّقة، وليس مطلوبا منها في الأخير أن تعبر عن أي مدلول.

هكذا، على منوال نمط الإنتاج الرّأسمالي الرّاهن، أصبح الوعي الديني نفسه يختزل الوجود في مجرّد رموز وعلامات تثير حولها الحراك أو العراك، لكنها في أساسها تظلّ رموزا وعلامات تحجب عنّا الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه الناس، وتختزل هذا الواقع في مجرّد بنية ذهنية ورمزية. وعلى هذا الأساس نرى اليوم كيف تحوّل ما يُسمى بالحجاب الإسلامي إلى تكثيف رمزي لهوية افتراضية منزوعة عن كل سياق مادي، سواء تعلق الأمر بالسياق الاجتماعي والذي يختلف باختلاف التاريخ والمصالح، أو تعلّق الأمر بسياق المناخ الجغرافي والذي يختلف تبعا لاختلاف المناطق والأقاليم.

ليس من باب الحس السليم أن ترتدي مسلمات موريتانيا نفس لباس مسلمات كندا، بيد أن اختزال الواقع المادي الذي يعيش فيه الناس، في مجرّد رموز ذهنية وعلامات صورية، ينزع لباس الناس عن شروطه الاجتماعية وظروفه المناخية، ويختزله في مجرّد رموز صوريّة وعلامات تدلّ على هوية افتراضية، في زمن أصبحت فيه صورة المادّة بديلا عن مادّة الصورة. ومع ذلك، ورغم كل ذلك، فإنّ الواقع المادي المنسي ما ينفك يثأر من الرّموز والعلامات وينتقم من نسيانه، حين يتحول نسيان الوجود الاجتماعي إلى بؤس يسري وأمراض تستشري.

والجدير بالملاحظة، أن تحوّل الواقع الاجتماعي للمسلمين في الغرب، إلى مجرّد رموز وعلامات، قد انتهى إلى استبدال معركة الحقوق الاجتماعية للعمال المهاجرين (ساعات العمل، الضمان الصحي، التعويضات العائلية، إلخ) بمعركة الحقوق الدينية ذات الطابع الرّمزي والصوري (الحجاب، اللحية، الصلاة في الشوارع، اللباس الأفغاني في بعض الأحيان، إلخ)، في مقابل ذلك انخرط الوعي الإسلامي الرّاهن في معارك صورية من أجل ما يسمى بتحسين صورة الإسلام في العالم، مكرسا بذلك عملية احتجاب الواقع خلف الصورة ووضع الدّلالة موضع المدلول، داخل فضاء ثقافي معولم أصبح فيه الوجود يتكلم لغة العلامات والرّموز والإشارات، وكل هذا على حساب الواقع الاجتماعي للإنسان.

هذا الواقع الاجتماعي نسيناه بكل تأكيد، نسيناه عندما نسينا ماركس.

كاتب مغربي

9