عندما نعمل من الحبّة قبّة

التونسيون يحبون الضيف ويرحبون به، والتاريخ، قديمه وحديثه، مليء بالأمثلة على ذلك.
الخميس 2019/06/20
حضن يلجأ إليه المظلومون والمتعبون

في تونس نقوم بضرب كل رقم بألف، ليصبح الدينار الواحد ألفا، ويصبح المليون مليارا. ولا يقتصر الأمر على التعامل بالأرقام؛ فكثيرا ما تصبح المشكلة الصغيرة كبيرة. وحسب تعبير المشارقة “نعمل من الحبّة قبّة”.

كعادتي كل صباح، أتلذذ بتقليب الصحف اليومية، أتابع الأخبار، أتصيد أطرفها، استوقفني مانشيت في صحيفة مفضلة لدي، يقول إن “الأفارقة يكتسحون سوق الشغل”، بالطبع المقصود سوق الشغل في تونس.

خِلت فورا أن الرقم يتجاوز الخمسين ألفا، لأجد أن عدد الأفارقة المقيمين في تونس -حسب الصحيفة نفسها- 7320 أفريقيًّا، يعمل منهم 21 بالمئة. ولأنني مغرم بالأرقام أجريت عملية حسابية بسيطة اكتشفت إثرها أن عدد الأفارقة العاملين بسوق الشغل هو 1460 لا أكثر.

الرقم صغير، خاصة إذا علمنا أن معظمهم يعملون في مهن ينفر منها التونسي، وأن أغلبهم طلاب يبحثون عن دخل إضافي، يعتبرون تونس محطة انطلاق للهجرة إلى أوروبا.

التونسيون، على عكس ما يوحي المانشيت والمقال المنشور، يحبون الضيف ويرحبون به، والتاريخ، قديمه وحديثه، مليء بالأمثلة على ذلك.

تستضيف تونس اليوم آلاف العرب والأجانب، الذين جاؤوها طمعا في كرم ضيافتها، منهم الليبيون والجزائريون والموريتانيون والمصريون والسوريون…، وبالطبع لا ننسى استضافتها الفلسطينيين عندما أُبعدوا عن لبنان.

في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وصل إلى شواطئ تونس أكثر من 100 ألف إيطالي، انطلقوا في قوارب “حرقة” من سواحل إيطاليا. جاؤوها بعد استفحال البؤس والفقر في الجنوب الإيطالي.. ركبوا “قوارب الموت” من جزيرة بانتيليريا، متجهين جنوبا إلى تونس، بحثا عن العمل وهربا من الجوع والحاجة.

مئات القوارب وآلاف المهاجرين وصلوا إلى الوطن القبلي التونسي؛ قربة، وقليبية، ومنزل تميم. ردّ بعضهم على أسئلة صحف تونسية حينها “نحن نموت جوعا في صقلّية، ونحبّذ أن نموت هنا في تونس على أن نعود”.

رغم هجرة 12 بالمئة من التونسيين، بحثا عن العمل في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وفي دول الخليج (بلغ النزيف ذروته بعد اندلاع الثورة، ليصل عدد الكفاءات الشابة التي اتجهت إلى دول أوروبية إلى 94 ألفا) كانت تونس، وما زالت إلى يومنا هذا، “أرضا موعودة” وحضنا يلجأ إليه المظلومون والمتعبون.

ولكن، قبل أن أنسى، دعوني أوضح لكم أنني لست تونسيا، كما قد يوحي لكم مطلع المقال، بل سوري يقيم في تونس، و”يعمل من الحبّة قبّة”.

24