عندما يأتي المساء

السبت 2014/03/01

حظر تجوال في الصباح والمساء، صافرة إنذار، سرب طائرات ورصاصات طائشة، أطفئوا الأنوار وأشعلوا شمعة ثم ألعنوا الظلام والحرب. مصطلحات مملة مقيتة.. كان يتردد صداها يومياً في شوارع المدينة القديمة، حيث كانت تخبئ وجهها الجميل عند بداية كل صباح تنزل فيه القذائف كالمطر المستعجل، وهي – القذائف- قد لا تكتفي بغسل سطوح المنازل المتربة كما يفعل المطر الطيب في كثير من الشتاءات، بل كانت تعيد بناء تضاريس الحياة على مضض؛ فتقطع أنف هذا البيت وتفقأ عين أخيه وتكسر ضلع جاره، فتعيد تشكيل التاريخ والجغرافيا والحسرات.

ساحات لعب الصغار ودكاكين الأرز والطحين والسكر، (بسطات) السكاكر والسجائر والمجلات القديمة، عربات الحمص والباقلاء و(الشلغم) التي تفوح منها رائحة الليمون وتحرسها ذبابات خجولات، تلال القمامة التي كانت ترقد بسلام في زوايا الأزقة وبقايا من صخور وحصى ورمال لساحات كرة قدم وهمية صنعتها مخيلة الصغار العنيدة التي لا تشبه الموت الداكن.. كل تلك المعالم الحميمة كانت تختبئ في الصباح، ريثما تضع الغارات الجوية أوزارها وتغط (راجمات) الغضب في قيلولة قصيرة.

وعندما يأتي المساء، المساء ذاته الذي عصف بألحان عبد الوهاب في زمن بعيد، عندما (كان) يأتي مساء هذه المدينة يصطف المعذبون في طوابير خوف ورجاء ليخطبوا وده؛ “هل ترى يا ليل أحظى منك بالعطف عليّ؟”. ربما يعطف قليلاً مساء الحرب ويمنح البعض سكينة مفتعلة؛ فيخرج هؤلاء الذين نجحوا بتفوق في امتحان الموت، لاستنشاق وجه المدينة الخائفة.. يتبادلون التّحايا و”مساء الخير” و”الحمد لله على السلامة” و”البقاء في حياتكم” و”متى ستغادرون”.

تأسرهم الشائعات التي تتحدث عن موعد نهاية الحرب، التي كانت تتناسل أحداثها بلا نهاية كأخطبوط عنيد، كلما قطعتَ له ذراعا نبتت له ألف ذراع وذراع.

انتهت الحرب وسجلت كتب التاريخ عدد القذائف والراجمات والصواريخ التي استقرت في جسد المدينة، لكنها لم تسجل لحظات الخوف والترقب الطويلة ودقات مطارق القلق الذي كان ينخر في الأرواح مع بزوغ كل شمس.

تغيرت ملامح المدينة ورممت البيوت المهدمة في عمليات تجميل وتعمير فاشلة، فشوهت ما تبقى من ملامحها. لم تحفظ الذاكرة سوى بقايا حوارات باهتة كان يتبادلها الجيران المرابطون في جوف الليل، بعد مرور شوط قصير من الهدنة، وتحاياهم المبتسرة وابتساماتهم المبتورة.

هذه هي أيام الحرب العراقية- الإيرانية، حيث شربت مدينة البصرة الجنوبية من كأس الحرب المرة حتى انتفخت (أوداجها)..غضباً وضجراً؛ أما الودج فهو عرِق في العنق، وهو الذي يَقطعه الذَّابح فلا تبقى معه حياة، هكذا يقول الأولون..

وبعد مرور ألف حسرة وحسرة، لم يعد هناك غاضبون جدد، بعد أن تسارعت وتيرة الحروب وتغيرت ملامح الأعداء غير مرة وتحول الموت إلى زائر محتمل في الصباح والمساء، حيث لا ينفع رجاء ولا يستر دعاء.

تبدلت تحايا الجيران ولم يعد المساء خيراً، واكتفت القلة الناجية من أذرع الموت بتبادل نظرات الشك والريبة، أما الجار فسيكون عدوا محتملا عند أول الصباح.

أخيراً، انفجرت أوداج المدينة بعد أن نامت سنوات عجاف على وقع طبول الحروب، بعد أن ضجرت الحناجر من ترديد رجائها لمساءات غاضبة على الدوام، فأصبحت نهاية الحرب أسطورة جديدة أضيفت إلى سجل حكايات الجدات التي ملت من “الطنطل والسعلوة والجني”.

الحرب أخطبوط مقيت بمجسات دبقة تأبى أن تبارح وجه المدينة.. مدينتي الجميلة التي شاخت وقطعت وريدها الأسمر فماتت في أوج شبابها.

21