عندما يتحدث الرجال الأقوياء على الصحافيين التشكيك بهم!

سيكون الصحافيون أكثر فاعلية ومسؤولية عندما يتحدّون الأقوياء سواء في الحكومات أو خارجها، وليس عندما يضعون أنفسهم كقنوات مريحة بين الزعماء والحكومات.
السبت 2019/11/02
ليس كل ما يقال خبر

كان من المناسب العودة إلى ما يسمى “الاقتباسات المجهولة” من التاريخ في وسائل الإعلام هذا الأسبوع، والجدل المستمر عليها، لأنها في النهاية لا تمثل أكثر ما كان يعتقد وما يعتقد، وما حدث وما يكون قد حدث بالفعل أو سيحدث، أو ما يتوق له الرأي العام، أو يفكر به، فالحقائق سواء وجدت في الوثائق أو لم توجد، لا يزال يتعين على المؤرخ ومن بعده الصحافي معالجتها قبل أن يتمكن من استخدامها.

ومع التأثير الهوليوودي على رواية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمقتل زعيم تنظيم داعش الإرهابي أبوبكر البغدادي، يبدو أن القرن الحادي والعشرين سيكون موضع جدل اقتباسات معاصرة، فعندما يتحدث “الرجال الأقوياء” فإن الكثير من الصحافيين ينقلون كلامهم ببساطة، ولا يتصرفون كمحاورين منتقدين، وإنما كقنوات مريحة للحكومات والزعماء. دعك من التبجّحات التي لا يصدقها السياسيون أنفسهم، ولا يمتلكون القدرة للدفاع عنها، لأن الفكرة تنطوي على أن السياسيين لا يدفعون أكثر من ضريبة الكلام المجرد، وعلى الصحافيين التشكيك بهم من أجل الحصول على الحقائق في هذا الكلام. فعندما تكرر وسائل الإعلام الاقتباسات المجهولة دون تردد، فإنها تصبح عامل تمكين للحكومات بينما يجب أن تتحداها للاتساق مع جوهر الصحافة، وفق غاري يونج الكاتب في صحيفة الغارديان الذي يطالب الصحافيين بألّا يكتفوا بدور الببغاوات الناقلة من المصادر الكبيرة.

الفكرة السائدة أن كل ما يقوله السياسي يصبح خبرا، ليست فكرة مفيدة دائما للصحافة عندما يتم نقل هذا الكلام بطريقة منمقة ومهذبة، لكنها غير مصفاة من شوائب “المبالغات”، كما لو أن عمل الصحافة يقتصر على الحصول على الاقتباس وإعادة توزيعه، ولا يمتد إلى وضعه في سياق الفهم والتحليل والإشارة إلى الثغرات الكامنة فيه والتحقق ممّا ورد فيه بمثابة حقائق. أما الأخطر من اعتبار وسائل الإعلام أن كل ما ينطق به السياسيون خبر، فيكمن في سريان كلام السياسيين كحقيقة متداولة على ملايين الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي.

صحيح أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصدر كبير للأخبار، وأيضا 10 داونينغ ستريت مبنى الحكومة البريطانية، لكن التوقف عند ذلك وعدم وضع كل ما يصدر عن هذين المصدرين الكبيرين تحت مجهر الصحافي، أمر لا يكون مفيدا لجوهر الصحافة نفسها، قبل أن يكون ضارا للجمهور.

المرشد الإيراني علي خامنئي مصدر آخر على درجة من الأهمية، لكن التعامل مع تصريحاته بوصفها أخبارا يعني الهبوط إلى العاطفة وتجاهل الحقائق ومبدأ الديمقراطية الحرة في تبادل المعلومات، فخامنئي لا يؤمن بأكثر من تحويل الخبر -إن وجد- إلى فكرة غيبية لتحقيق ما يريد أن يحققه، لهذا يصبح مثالا جيدا بالنسبة للصحافيين للتعامل الحذر في كل ما يصدر عنه.

لكن المفارقة تكمن في سطوة الحكومة عندما يتعلق الأمر بمصدر آخر للأخبار يخضّها، فالحكومات تنظر إلى فيسبوك مثلا بوصفه “أكبر مراهقي العالم خطرا” فما زال في عقده الثاني، إذ يأتي أكبر تهديد لفيسبوك في حال قررت الحكومات التعامل مع الشركة على أنها ناشرة وليست منصة، ما يجعلها مسؤولة قانونيا عن كل كذبة أو تشهير تنشره الشركة. حينها “سيتم دفن مقرها الممتد في مينلو بارك، في كاليفورنيا، تحت عاصفة من الدعاوى القضائية” وفق تعبير الكاتب جدعون راشمان في صحيفة فايننشيال تايمز، الذي يرى أن الخط الفاصل بين حرية التعبير والتحريض على العنف وبين السياسيين الشرعيين ومؤيدي الكراهية، أمر متنازع عليه لا محالة.

لكن كل هذا الكلام لا يجعل من الحكومات، وحتى الديمقراطية نفسها، مصدرا رحيما ومسؤولا وأمينا على حرية الصحافة، عندما تريد تمرير معلومة تخدم مصالحها وتخفي كما هائلا من المعلومات التي يفترض أن تخضع لحرية تداول المعلومات.

صحيح أن الحكومات لم تخترع وسائل التواصل الاجتماعي، لكن وسائل الإعلام ستسقط في فخ ساذج عندما تعتمد على الحكومات ووسائل التواصل كمصدر إخباري من دون تدقيق عميق لتشكيل ما وصفه انطونيو غرامشي بـ”الفطرة السليمة”، كما يجدر بالصحافيين أن يلقوا نظرة انتقاديه على الدور الذي تلعبه الصحافة في صناعة السياسة.

كثيرا ما يتم تداول الجملة الشهيرة لجوزيف غوبلز، وزير الثقافة النازي الشهير عندما يتحسّس مسدسه! لكن ما قاله عام 1933، نراه يتجسد فعليا اليوم بعلاقة الحكومات مع وسائل الإعلام، دعوني أعيد عليكم جملة غوبلز بعد 86 عاما من نطقها “الهيكل الحديث للدولة الألمانية يمثل أعلى شكل للديمقراطية، إذ تمارس فيه الحكومة سلطتها بشكل قانوني، بفضل تفويض الشعب، ودون أي إمكانية لتدخل برلماني يصادر إرادة الشعب، ويجعلها غير فعالة”.

ومع تزايد الهجمات على الصحافيين، تجد المهنة نفسها في تقاطع مع الحكومات المستبدة والميليشيات المتطرفة والمال الفاسد، فمن المهم أن تدافع وسائل الإعلام وأولئك الذين يعملون فيها عن قيمها لتحول دون إصابتها بالوهن والارتخاء عن التشخيص الذي ينتظره الجمهور، فيما هو صار شريكا إعلاميا فاعلا عبر المواطن الصحافي.

لذلك ينصحنا غاري يونج بوصفه صحافيا أن نكون صادقين بشأن أوجه القصور لدينا من أجل الدفاع عن قيم ارتضينا أن نكون مسؤولين عنها في مهمتنا الصحافية. عندها فقط سنكون أكثر فاعلية عندما نتحدى الأقوياء سواء في الحكومات أو خارجها، وليس عندما نضع أنفسنا بينهم.

18