عندما يتحدث عباس

في كل حديث، يفترض عباس أن الحاضرين وغير الحاضرين، لا يعرفون شيئا عن تاريخ بلادهم وقضيتهم. لذا يتفضل عليهم في كل مرة، بدرس مدرسي، فيغرف من جعبة لا ثقافة تاريخية رصينة فيها.
الأربعاء 2018/05/02
عباس يغرف من جعبة لا ثقافة تاريخية رصينة فيها

تحدث رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في الجلسة الافتتاحية التي انعقدت تحت لافتة المجلس الوطني الفلسطيني، وأفاض طويلا في حديثه الارتجالي بعاميّته التي يرمي في بطون كلماتها، كل الأخاديع المغايرة للوقائع وحقائق مسارات أدائه اليومي.

ولأن الرجل، ذهب إلى هذا الانعقاد، ومن ورائه ثلاثة مآزق، لا يُعدّ الاحتلال أحدها، بحكم ما يتبدى عليه من مشاعر الاقتدار المغمّس بالنقد اللفظي للاحتلال؛ فقد ركز على الأطراف الفلسطينية التي اعترضت على عقد المجلس الوطني بالكيفية التي أفقدته ليس عنصر التمثيل الحقيقي للإرادة الشعبية وحسب، وإنما أفقدته أيضا، عنصر التمثيل الحقيقي للفضاء الوطني الفصائلي والشعبي، المنضوي حُكما تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية نفسها!

بخلاف ذلك لم يستشعر الرجل أي حرج في هجاء القوى الناشئة والوازنة، الحاضرة في قلب الساحة، التي طلبت انعقادا للمجلس مكتمل التمثيل ويساعد على الوفاق.

المأزق الأول، الذي حاول إيهام الناس بهامشية أمره ووجاهة التجاوز عنه، هو الانقسام. فإما أن يأتيه الآخرون على الرغم من كل عيوب الانعقاد، وإما أن يصبحوا في خارج الفردوس العباسي. فلا معنى عنده، لمطالبة أي طيف، بأن يكون انعقاد المجلس سبباً للتوافق على إستراتيجية عمل وطني فلسطيني مؤثرة، تستند إلى التأييد الشعبي. فمن يرفضون المشاركة في الانعقاد الملفق، يحكمون على أنفسهم بالبقاء في الخارج. وأي خارج؟ إنه خارج أجوائه التي لا تتيحُ لمعترض أن يتفوه بكلمة، أو هو الخارج الذي أحيل إليه من قرر إقصاءهم وسلبهم عضوية المجلس!

المأزق الثاني، تمثله الحال المزرية التي باتت عليها السلطة الفلسطينية نفسها، وأصبحت فيها كابوساً بالنسبة للفلسطينيين. فلا مؤسسات ولا فصل بين السلطات، ولا عدالة ولا حقوق سياسية للمواطن، ولا رفع شيء من الظلم الذي يطال الناس. والرجل، في حديثه الطويل لم يأت على ذكر كارثة واحدة من الكوارث التي أوقعها في قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، بنكرانه البُعد الاجتماعي للسياسة واستهتاره بالرأي العام. بل إنه تشاطَرَ وحاول إقناع الناس بجماليات لم يرها الفلسطينيون ولم يسمعوا عنها شيئا، وذهب في ذلك إلى الحديث عن الطاقة النظيفة وقرب الوصول إلى جعل الضفة منطقة خالية من التلوث البيئي. وبلغ التجرؤ على الخداع، إلى درجة الحديث عن محكمة دستورية، يتفوق فيها على كل دول المنطقة. وكأن هذا الرجل، ليس هو صاحب اختراع بدعة المراسيم بقرارات، وليس هو الرجل الذي يُصدر في كل يوم، قرارات من شأن أية محكمة نظامية رفضها والحكم ببطلانها من الدقيقة الأولى للنظر فيها، ومن بين هذه القرارات تجويع أسر الموالين كما المعارضين في غزة. أو كأنه الرجل الذي وصل إلى مستوى من الشفافية والرشاد في الحكم، يتيح للمواطن الفلسطيني المتأذي من قراراته الظالمة، أن يلجأ إلى قضاء يردّ له حقه، فيطيع هو الحكم.

عباس ذهب إلى المجلس الوطني الفلسطيني، ومن ورائه ثلاثة مآزق، لا يعد الاحتلال أحدها، بحكم ما يتبدى عليه من مشاعر الاقتدار المغمس بالنقد اللفظي للاحتلال

المجتمع الفلسطيني محدود والناس شاهدة على عذابات شخصيات وطنية، ممنوعة من السفر، ومسحوبة جوازات سفرها، وقد حَكمت لهم المحاكم في كل درجات التقاضي، باستعادة جوازات سفرهم والسماح لهم بالحركة، بينما هو الذي يستهتر بأحكام القضاء، ويمتنع عن تنفيذها.

ثالث هذه المآزق، يتعلق بفصائل منظمة التحرير التي جعلها رئيس السلطة، أمام أحد خيارين: إما أن تطيع أو أن تختنق، حتى باتت هذه الفصائل تتوسل حقها في الحركة وحقها في مخصصات عملها، وحقها في الاعتراض والتأثير في القرارات، وحق أعضائها في تصاريح المرور والتنقل.

بهذه المآزق الثلاثة التي يتجاهلها المتسبب فيها؛ يُرادُ للانقسام أن يستمر، وللسلطة الفلسطينية والمنظمة أن تظلا بلا مؤسسات تؤدي أدوارها بما يليق بكفاح الفلسطينيين، وأن تظل الساحة الفلسطينية بلا وفاق وطني يلبي شرط العمل الشعبي المقاوم، وشرط حل المُعضلات الكبرى، ويُراد لمنظمة التحرير بفصائلها، أن تظل تفتقر إلى الحد الأدنى من التماسك، كما يراد لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، أن تنكشفا سياسيا، لكي يصبح الإجهاز عليهما هو الحل الوحيد المطروح.

كلام كثير يقوله الفلسطينيون الآن، عن مفارقات حديث رئيس السلطة، وبعضه أثار السخرية، أما معظمه فقد أثار الاستهجان. لقد تضاحك الفلسطينيون على إشارته لمسألة الفساد، ومحاولة تبرئة نفسه وإيهامه الناس بالتطير من هذه الظاهرة التي يراها الفلسطينيون بأمهات عيونهم. ففي حديثه طرح نفسه الضامن الوحيد لإحالة أي فاسد، إلى القضاء الذي تنحني له كل الهامات.

غير أن أكثر الحقائق الموضوعية إيلاما لمن لديه الحد الأدنى من الإحساس بحرمانه السياسي، تكثفت وهو يروي الحكاية تلو الأخرى، ويسمعها الناس للمرة الأولى. فالحاضرون وغير الحاضرين، استمعوا إليه يشرح فحوى بعض الاتصالات السياسية، والوقائع التي يجهلونها تماما والقرارات التي لم يناقشها أي إطار يمثلهم. فهو وحده الذي من حقه أن يعرف وأن يقرر، ومن حقه أن يروي بالقدر الذي يريد وبالكيفية التي يريد، وأن يوضح أو يحجب. فلا شيء يُطرح ويُناقش في أي إطار فلسطيني، ولا سياق للنظر في السياسات وتحديد الخيارات. فما على الشعب إلا أن يستمع إليه وهو يروي ويُلـمح، في الوقت الذي يريد وبالصيغة التي يختارها، وما دون ذلك فهو من أسراره حصرا.

في كل حديث، يفترض عباس أن الحاضرين وغير الحاضرين، لا يعرفون شيئا عن تاريخ بلادهم وقضيتهم. لذا يتفضل عليهم في كل مرة، بدرس مدرسي، بمنطق المعلم، فيغرف من جعبة لا ثقافة تاريخية رصينة فيها، وكان ما تفضل به، ركيكاً وبلا عمق، وأقل من مستوى ما يتلقاه التلامذة الصغار في مادة التاريخ.

8