عندما يتحول التجريب المسرحي إلى فخ

الأحد 2016/05/08
هل يمكن للمسرح أن يقول الحقيقة

لا شك أن العروض المسرحية الشبابية التي قدمت وتقدم في دمشق في السنوات الأخيرة، لا تتعدى كونها تجارب مسرحية أولية يخوضها شباب في مقتبل عمرهم المسرحي. مبتعدين عن ثرثرة الدراما التلفزيونية الآفل نجمها. وساعين إلى تقديم تجارب مسرحية تحاكي الحال السورية من جهة، وتسعى إلى التعبير عن ذواتها في غمرة الصراع الدموي القائم منذ سنوات.

آخر هذه العروض الشبابية المقدمة كان عرض “trip” لمصطفى القر وريمي سرميني، والمُقدم مؤخرا على خشبة مسرح القباني بدمشق. تحت عنوان “test3″، يقدم القر وسرميني تجربتهم المسرحية الثالثة، والأولى لهم بعد التخرج من قسم التمثيل من المعهد العالي للفنون المسرحية.

منذ العنوان الفرعي (test3) يؤكد القر وسرميني على أن خطوتهم المسرحية هذه ما هي إلا تجربة مسرحية مازالت بحاجة إلى التقويم، وهي تخطو في ميدان التجريب. لكن السؤال هنا ما هو حدود هذا التجريب، وهل يحمي هذا العنوان الفرعي المشاكل التي حفل بها العرض؟

العرض مأخوذ عن فيلم للمخرج الكوري “كيم كاي دوك” بعنوان “dream”، وهو يختلف بنسخته المسرحية السورية بأنها تحكي قصة شابين في العشرينات من عمرهما يرتبطان ببعضهما بطريقة غرائبية، فكل أحلام الأول “مصطفى القر” يقوم الثاني “ريمي سرميني” بتنفيذها وهو غائب عن الوعي في نومه. بينما يقدم الفيلم ذات العلاقة لكن بين جنسين مختلفين، شاب وامرأة.

تتطور حبكة المسرحية بتطور أحلام “القر” مثلي الجنس الذي خانه صديقه مع فتاة كانت للمصادفة حبيبة “سرميني” السابقة. تتعقد العلاقة بين الشاب الموسيقي الحالم، وبين النحات منفّذ الأحلام، دون أن يتمكن الاثنان من السيطرة على هذه الحالة الغرائبية، لينتهي بهما الأمر بـ”حلم أخير” يقتل فيه القر صديقه وحبيبة سرميني، وذلك ما ينفذه الأخير على الفور. يصحو سرميني ليجد نفسه مضرجاً بالدماء، وينتهي به الحال مقتولا على أيدي القر الذي ينفجر في نوبة هستيرية أخيرة.

على خشبة القباني أقام السينوغراف حسين تكريتي فضاء العرض والجمهور معاً، على مقدمة الخشبة يجلس الجمهور محلقا حول عمقها الذي أقيم فيه فضاء العرض المكون من غرفة النحات “سرميني” تتصدرها طاولة وضعت عليها أغراض النحت وانتصب قربها تمثال ثنائي الجنس له صدر أنثوي وعضو ذكري. على الجهة الأخرى يقع ممر يصل إلى باب الغرفة.

ترتبك دلالة الممر الذي تصله رسوم السينوغراف الجنسية الموضوعة على جدران حيز الجمهور. فحينا يُعامل على أنه ممر البناء، وهذا يتناقض مع الرسومات التي تحفل بجدرانه، وحينا آخر يظهر على أنه الممر الحُلمي بين الشخصيتين.

انتقال سليم بين الواقع والحلم

يطرح فيلم “كيم كاي دوك” علاقة جندرية معقدة بين الشاب الحالم والفتاة المنفذة، ينقلها القر وسرميني إلى علاقة معقدة كتلك، لكن بين ذكر مثلي، وآخر مفرط في الذكورية.

تظهر الفكرة للوهلة الأولى هامة في ظل تسطيح مفهوم المثلية في المجتمعات العربية. لكن التنفيذ جاء مخالفا لذلك، فالنص القائم على الارتجال افتقد للضبط. ضاع منه المعنى في أوقات كثيرة، وهبط بإيقاع العرض في أحيان أخرى. وغدا زمن العرض (ساعتين) فضفاضا ومملاّ في مفاصل كثيرة، لا سيما أن الأفعال مكررة وحبيسة (الحلم/التنفيذ).

ولعل غياب الضابط (درامتورغ أو مخرج) هو ما أوقع “تريب” في عنوانه. فبداية بالعنوان الشائك كونه درج باللغة المستخدمة بين الفئة الشابة من المجتمع اليوم، ومرورا بفقرات الصمت التي يعج بها العرض، وانتهاء عند جدة وصعوبة موضوعة المثليين التي يتناولها، ظهر غياب المخرج والدرامتورغ جليا في العرض. فمثلا إبهام مكان الحدث وزمانه وأسماء الشخصيات بقي دون تفسير في غمرة الواقعية التي يُقدم بها العرض ذاته.

زد على ذلك، ارتباك الخط الفاصل بين الحالة الحُلمية الغرائبية التي تقوم عليها حكاية العرض، وبين الطرح الواقعي المقدم على مستوى الفضاء والأداء.

طوراً يقدم العرض ذاته كعرض واقعي يفرض على المتلقي تتبع خطاه الواقعية، وذاك يتمثل في بداية الحكاية حيث تسجن الشرطة “سرميني” بعد أن دهس أحد المارة وهو ينفّذ حلم “القر”، وطوراً آخر يقدم العرض شرطا سحرياً حينما يقبّل الاثنان بعضهما وهما يضعان أقنعة ورقية على وجهيهما. كل ذلك دون ربط أو انتقال سليم بين الواقع والحلم كتلك الواقعية السحرية التي يقدمها الفيلم.

الأداء، وهو الميدان الآتي منه بطلا المسرحية، وضع عليه علامات استفهام هو الآخر. قدم القر الشاب المثلي ضمن جيستات حركية تدلل على مثلية الشخصية، ضخ فيها أحيانا حيوية وتلقائية جعلتها صادقة الأداء على الخشبة، ووقفت أحيانا أخرى عند الحدود الجسدية للشخصية المثلية، مع ضبابية انتماء الشخصية لعالم الموسيقى الواسع.

أما “سرميني” فربما ساهم أداؤه في تشويش الفكرة المراد تقديمها في العرض. فبدلا من تقديم صورة للشخصية الذكورية المفرطة في ذكوريتها وعدائيتها تجاه المثليين من جنسه، قدم شخصية مبهمة الانتماء والمواقف. بدت مواقفه من الآخر مبهمة.

غاضب دون مبرر واضح، بعيد كل البعد عن عالم النحت والفنون. وبدلا من تقديم صورة للراديكالية الذكورية ضد المثلية الجنسية قدم صورة لشخص لا يعرف لماذا يعامل المثلي كذلك، ويفتقد لحساسية الفنان ــ أي فنان ــ في تعامله مع الأمور الإشكالية.

الاختلاف، المثلية، الجندر، الآخر، مقولات كبرى تصدى لها عرض “trip” لكن دون أن يوصلها إلى متلقيه، وكونه يندرج تحت مظلة “التجريب” وجب التقويم كضرورة لتجاوز أخطاء كهذه في أعمال شبابية قادمة، وجب على القر وسرميني فيها العناية بدور الدرامتورغ والمخرج أكثر من ذي قبل.

كاتب من سوريا

15