عندما يتحول الزواج إلى انتحار مادي

الأحد 2016/08/14

زرت القاهرة منذ أيام في إطار العمل. أثناء جلوسي في بهو الفندق بعد عودتي من الاجتماعات شاهدت ما لا يخطر على بال أحد. في الأيام الخمسة التي قضيتها في الفندق ذي الخمسة نجوم حضرت صفقات وترتيبات ومشاورات عويصة ودقيقة جدا بين مسؤولي الفندق وزوّاره ممّن يرغبون في إقامة حفلات خطوبتهم أو زواجهم في الروف، أو سطح الفندق المطلّ على النيل. أرقام خيالية لا تخطر على بال أحد، وتفاصيل تبدأ من أصغر الأشياء مثل لون غطاء الطاولة وتصل إلى أنواع المأكولات وطريقة عرضها، وتفاصيل كثيرة أخرى لا يقوى خيالي البسيط على تذكرها.

قضيت خمسة أيام في متابعة ما يحدث، وأنا لا أكاد أصدق أن هناك من ينفق أموالا بهذا الحجم على عرسه، والغريب أنني عندما سألت أحد العاملين في الفندق عن نوعية الزبائن الذين يستعينون بخدماته، قال إنهم ليسوا من الأثرياء، بل إن أغلبهم من الموظفين وأبناء الطبقة الوسطى، وإن “لأثرياء لهم أماكنهم”.

لا أكاد أفهم، حقيقة، المتعة التي يجدها شخص في إنفاق كل هذه الأموال على حفل تظل ديونه تطارده وتنغّص عليه حياته لسنوات طويلة. أتفهّم طبعا رغبة الأطراف المحتفلة بمناسبة فريدة ومميزة جدا في أن تجعلها ذكرى خالدة وفرصة تبهر الحضور، وأتفهم رغبتهم أيضا في تقديم كل غال وثمين من أجل جعلها تبدو سعيدة ومبهرة وتخليدها في ذاكرة كل من حضرها، لكن ما لا أفهمه هو هذه القوة الاجتماعية الضاغطة التي تدفعهم إلى نوع من “الانتحار” المادي، فالشخص الذي ينفق الملايين من أجل يوم واحد، يقضي سنوات متعسرا متأففا مرهقا بالتكاليف والديون.

التونسية لا تقدم تنازلات رغم الغلاء

هذه الحادثة دفعتني للتفكير في شبابنا في المنطقة العربية بأكملها الذين يعانون من تكاليف الزواج الباهظة من مهر، وهدايا، وحليّ، ومصروفات لا أول ولا آخر لها، مما جعل بعضهم يعزف تماما عن الزواج، في حين انشغل البعض الأخر بمحاولة إيجاد حلّ لهذه العثرة التي تقف أمام مستقبل كل شاب، مثل إطلاق مبادرات هدفها الحد من تكاليف الأفراح الباهظة، والمهور الخيالية التي تطالب بها بعض العائلات كمبادرة “الزواج المختصر” في السعودية، و”التخلي عن الشبكة” في مصر، وهي مبادرات شجاعة انتشرت على سائل التواصل الاجتماعي، وتحظى بدعم الكثير من الشباب والأهالي على حد سواء، رغم التشكيك في نتائجها الفعلية على أرض الواقع.

وسواء أتت هذه المبادرات بنتائج حقيقية أم تحولت إلى حركة احتجاجية لا غير، فإنها تعبّر بشكل أو بآخر عن حجم المعاناة والعراقيل التي يجدها شباب اليوم في وضع أول خطوة على طريق استقرارهم ومستقبلهم، وحاجتهم الملحّة إلى مدّ يد العون لهم وتسهيل أمور حياتهم.

في تونس انتشرت منذ فترة بادرة “أحمر شفاه” التي تحث على الزواج من أوروبيات ونبذ التونسيات اعتراضا على ارتفاع سقف مطالبهن، ورغم عدم جديّتها إلا أنها أثارت الكثير من الاحتجاج من قبل البعض ولقيت على الجانب الآخر قبولا في صفوف آلاف المتضررين من قيود وأعراف اجتماعية وثقافية مفروضة عليهم بقوة رجعية، فالظروف ليست الظروف والحياة ليست الحياة، والبشر ليسوا هم البشر، وما كان صالحا في وقت ما، لم يعد صالحا لوقت أصبحت فيه المرأة والرجل كلاهما مسؤول عن حياته وخياراته وأولوياته.

لكن الظاهرة برمتها تبقى منطقية ومتسقة مع السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه بلداننا العربية، والذي تطغى عليه عقلية الاستهلاك السهل، وحالة الفراغ والتشبث بالمظاهر الزائفة، وعلاجها يستوجب علاج المؤثرات والدوافع الخلفية لها، فالعائلة التي ترى في زواج ابنتها صفقة يجب أن تعقد بأفضل الشروط وتحقق أكبر المكاسب لا يمكنها أن تستوعب رأيا بديلا يدعوها إلى “اختصار” الزواج إلى ما يشبه المناسبة الخاصة. كذلك الفتاة أو المرأة التي تنظر إلى نفسها باعتبارها غنيمة أو “شاة” فإنها تنتظر مقابلا يعادل ما صرفته على نفسها من اهتمام وتدليل ورعاية في انتظار من يدفع أكثر. في النهاية لا يجب أن نلوم الرجل على احتقاره وتعدّيه على حقوقها، فمن تُشترى بالمال أو بالذهب، تتحول إلى متاع يحقّ له التصرف فيه وفق مشيئته.

توجد ألف طريقة لجعل الفرح مميزا وخاصا جدا، دون أن يتحوّل إلى انتحار مادي، وتوجد ألف طريقة للتعبير عن رغبة رجل في امرأة وتمسكه بها دون أن يشتريها بمال كما تشترى الدواب، وتوجد ألف طريقة أخرى للكسب دون أن نضطر إلى بيع بناتنا لمن يدفع أكثر، فلنساعد بناتنا وأبناءنا على بدء حياة بسيطة وحقيقية تشبه عصرهم وأولوياتهم وطريقة تفكيرهم، لا عصر الجواري والنخاسين.

كاتبة من تونس مقيمة في هولندا

20