عندما يتحول الغرافيتي من فن قصير الأمد إلى آثار مديدة

جون وان ينساب مع ريحه الإبداعية الطبيعية لينجز أعمالا بهيجة قصيرة الأمد حين كان يخطّها في الفضاءات المدينية، ثم مديدة الأجل بعد أن انتقل إلى القماشة.
الاثنين 2018/04/02
انتقل بفن الغرافيتي من عربات المترو إلى القماشة

جون وان، واسمه الحقيقي جون أندريو بيريلّو، هو فنان غرافيتي وستريت آرت أميركي من أصول دومينيكية، ولد عام 1963 في حي هارلم مهد فنون الستريت آرت بنيويورك.

وهناك بدأ يرسم خطوط الغرافيتي الأولى، ويوقعها باسم جون 156 على اسم الشارع الذي كان ينتهك جدرانه، وهو يجد متعة في إتيان المحظور رفقة شبان آخرين، ويفخر بأعمالهم الفنية التي لها في وجدانه نفس الأثر الذي تخلفه أعمال ماتيس أو بيكاسو؛ ولو أن دافعه الأول كان حب فتاة من حيّه، عشقها وهو في السابعة عشرة من عمره، فكان يخط “جون يحب روزانّا” في كل مكان، وبأساليب متنوعة، ولكنها عشقت غيره، فلمّا ألفى نفسه وحيدا، صار يوقّع أعماله بـ”جون” فقط، ثم “جون ذا وان”، قبل أن يختصره في “جون وان”.

وتعلّق في بداياته برموز التعبيرية الأميركية في ذلك الوقت أمثال جاكسون بولوك، وروبرت موثرويل، ووليم دو كونينغ، ولكنه اختار طريقا غير الذي اختاروه، أي فن الغرافيتي الذي لا يحتاج فيه صاحبه لأكثر من بخاخة، ونصيب من الخيال، وقدر كبير من الجرأة، إذ كان يتحدّى المحظورات مع رفاقه، يرسمون ليلا في غفلة من الحراس حتى حولوا مترو نيويورك إلى متحف متنقل.

 

يحتضن رواق “بروجيي ريغاي” بالعاصمة الفرنسية باريس حتى موفى شهر أبريل الجاري معرضا فنيا للأميركي جون وان، أحد رواد الستريت آرت، يقدّم خلاله أعمالا لم يسبق عرضها، استفاد في إعدادها من تجارب صناعة الورق في كوريا الجنوبية

وفي تلك الأثناء تعرّف على أنطوني كلارك الشهير بـ”أ-وان” (1964-2001) ففتح عينيه على عالم الفن، وهو الذي اعتاد السفر إلى أوروبا والمشاركة في معارضها، فصار يرتاد المتاحف والمعارض الفنية التي كان لها دور في توعيته بأهمية فنه.

بيد أنه كان يحس بالاختناق في حيّه الشبيه بالغيتو، لا سيما أن الأميركان يعتبرون ما يقوم به تخريبا وعبثا، وفي أحسن الأحوال نوعا من الفن المنحرف، إلى أن تعرّف عام 1980 على الفنان الفرنسي فيليب ليمان الشهير بـ”باندو”، فدعاه إلى باريس، وكانت بالنسبة إلى جون وان مناسبة لممارسة هوايته في مدينة بدأت تعترف بفناني الغرافيتي والستريت آرت وتهيّئ لهم فضاءات يمارسون فيها فنهم، فظل يتنقل بين عاصمة الأنوار ومسقط رأسه سان دومينغ حيث أهله، إلى أن قرّر الاستقرار بداية من عام 1987 في ضاحية “لِيلا” المتاخمة لباريس، قريبا من بعض وجوه الفن الحضري أمثال سبيدي غرافيتو، والأطلس وبسيكوز.

بدأ جون وان بالغرافيتي مع باندو، وبوكسر وبي بي سي كريو، ثم جرّب الرسم على القماشة في مستشفى متنقل رفقة شارب، وفيكتور آش، وجاي وان وسكّي، دون أن يتخلى عن الغرافيتي. وسرعان ما سجل حضوره في الأوساط الفنية الباريسية، فشارك في معرض الغرافيتي الذي انتظم بباريس عام 1991، ثم في معارض فنية عبر العالم، في موناكو وبروكسل وجنيف وبرلين وطوكيو وهونغ كونغ.

وفي معرضه المقام حاليا برواق “بروجيي ريغاي” الباريسي، والذي أسماه “مولد الريح”، يعرض جون وان ستا وخمسين لوحة ومئة رسم على الورق، استعمل فيها تقنيات مختلطة، تتراوح بين الزيت والأكريليك والحبر السريغرافي والكولاج، على لوحات من ورق الهانجي التقليدي، الذي يستحضره الكوريون من ورق التوت، ليجرّب ما شاهده خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية.

جون وان:  أنا لا أرسم لجمال الشكل، بل لكي أكون حرا وخالدا حتى عبر الغرافيتي
جون وان:  أنا لا أرسم لجمال الشكل، بل لكي أكون حرا وخالدا حتى عبر الغرافيتي

وكمثل الريح التي تزرع بذورا تتحوّل إلى أزهار، ينساب الفنان مع ريحه الإبداعية الطبيعية لينجز أعمالا بهيجة، قصيرة الأمد حين كان يخطّها في الفضاءات المدينية، ثم مديدة الأجل بعد أن انتقل إلى القماشة.

وهو ما عابه عليه رفقاؤه، خصوصا أن فن الستريت آرت هو فن المقاومة، مقاومة الليبرالية ومجتمع الاستهلاك، وتحدّي المتحفية للوصول إلى عامة الناس، ذلك أن جون وان انقطع عن الشارع، وصار يلبي طلبات أصحاب العلامات التجارية الكبرى وحتى المؤسسات السياسية، وآخرها إنجازه “معارضة” إن جاز التعبير للوحة أوجين دولاكروا “الحرية تقود الشعب” بطلب من البرلمان الفرنسي.

يفسر جون وان تركه الشارع وانتقاله إلى القماشة بقوله “إن أصعب شيء هو إيجاد أسلوب، بدأت بأعمال تصويرية وخطوطية، ولكن ذلك لم يكن يوافق نزوعي إلى الحرية، أنا لا أرسم لجمال الشكل بل لكي أكون حرّا، وهذا ما دفعني إلى التجريدية، وجعلني أنتقل من عربات المترو إلى القماشة، كان الطابع العارض للشارع يثبط عزيمتي، لأني كنت أريد الحفاظ على أعمالي، لأسجل رؤيتي لمرحلتي، أنا أوقع اسمي على كل لوحة رغبة في البقاء، الفراعنة بنوا الأهرام، وأنا أحاول بناء عمل يدوم بعد موتي، بهذا المعنى تغدو رسومي ماضيّ وحاضري ومستقبلي”.

ولقد اكتسب جون وان أسلوبا متفرّدا، يميّزه عن بقية زملائه، بفضل مثابرته على العمل بمعدل اثنتي عشرة ساعة في اليوم، في مكان مغلق يضع في ركن منه كيس ملاكمة، قال إن البقاء وحيدا كل هذا الوقت في مكان مغلق يمكن أن يقوده إلى الجنون، لكأنّه في زنزانة، لذلك يوجه لكماته إلى ذلك الكيس، كلما أحس بالضغط، لعله ينفّس عمّا يضطرم بداخله.

16