عندما يتحوّل الجدار الرمادي إلى لوحة فنية

بوردالو الثاني فنان برتغالي غيّر نظرة الناس إلى الطبيعة عبر الغرافيتي ويصوغ من النفايات رسائل جمالية.
الاثنين 2018/07/09
وجه المدن بات أجمل

 

لا جدال أن مجتمعاتنا المعاصرة، الغربية بخاصة، تكاد تحوّل الكرة الأرضية إلى مصبّ نفايات. ولئن كان حماة الطبيعة بمنظماتهم وجمعياتهم لا يألون جهدا للتحذير من جرائر التلوث البيئي، ويدعون إلى إعادة تأهيل المستهلكات، فإن البرتغالي بوردالو الثاني يندّد بتلويث البيئة بطريقة فنية فريدة.

ولد الفنان البرتغالي أرتور بوردالو في لشبونة عام 1987، والتحق في شبابه بكلية الفنون الجميلة، أسوة بجده الفنان أرتور ريال شافيز بوردالو (1925-2017)، الذي كان الحفيد يرتاد مشغله بانتظام، ويتأمل احتفاءه بالمدينة في لوحات مائية وزيتية.

ولكن ما لبث أن استهواه الغرافيتي والستريت آرت، فداوم اقتحام الفضاءات وطلي الجدران خلسة منذ عام 2013، بمعدل مرتين في الأسبوع، وسرعان ما سجل في هذا الجنس من الفن حضورا لافتا، فاتخذ له اسما فنيا بوردالو الثاني، تكريما لروح جده.

وكعادة فناني الستريت آرت، كان في بدايته يرسم خفية، عندما تهجع الحركة وتنام المدينة، ليتخذ من شوارع لشبونة مرسما شاسعا رفقة فنانين برتغاليين آخرين من جيله، أمثال فيلس (الذي سبق أن قدّمناه في هذه الصفحة) وأنطونيو كورّيا الشهير ببانطونيو، وغونسالو مار، لا سيما بعد أن وضعت بلدية لشبونة إطارا قانونيا يسمح لأولئك الفنانين باستغلال ساحات المدينة وشوارعها وجدران مبانيها.

ومن ثمة صار بوردالو الثاني يجمّع الأشياء المهملة، الملقاة في الشوارع، وفي مصبات النفايات، ويضعها جانبا في ورشته بالطابق الأرضي من العمارة التي يقيم بها، كي يستغلها كسند يستطيع أن يشتغل عليه، ثم اكتشف أنه يمكن أن يصنع من تلك المهملات شيئا له جمالية، ودلالة.

بدأ بتزيين جدران لشبونة بسلسلة طريفة من الثعالب والبوم والقردة والحرابيّ.. فغير وجه المدينة في مواقع كثيرة، مثلما غير نظرة الناس إلى الفن، لا سيما أولئك الذين لا يرتادون المتاحف والمعارض، واكتشفوا أن الجدران صارت أجمل، وهذا أمر طبيعي “لأن الجدار الرمادي لا يقول شيئا”، على حد تعبيره.

بوردالو الثاني ينهل من أكوام من الفضلات مادته، لا يذل أمامه أي شيء، ليعيد تشكيله ويمنحه جماليته الفنية الخاصة

وينهل بوردالو الثاني من أكوام من الفضلات مادته، لا يذل أمامه أي شيء، من خوذات ركاب الدراجات النارية والعجلات المطاطية ومصابيح السيارات والأنابيب المعدنية وقوائم الكراسي، إلى علب الصفيح وأكياس البلاستيك والورق المقوى وهشيم الزجاج وعلب السردين.. مواد شتى يعمل هذا الفنان القدير على إعادة تأهيلها بطريقته الخاصة، وتتمثل في استعماله تقنيات مختلطة على دعائم من الخشب، يعمد إلى تلصيق المهملات عليها بدقة وحسبان، متخيرا موضوعه، والمكان الذي سوف يعرض فيه أثره الفني عند اكتماله.

ومن عادته، إن لم يكن على سفر خارج الحدود البرتغالية، أن يعمل في ورشته على وقع موسيقى إلكترونية، ويصوغ أعمالا حازت الإعجاب حيثما نصبت، وحازت فوق ذلك انتباه الناس إلى ضرورة صيانة الطبيعة، سواء في الريف أو المدينة، في الأماكن الآهلة بالسكان، أو المواضع الخالية منهم، مثلما اتخذها المدافعون عن البيئة وسيلة لتحسيس المسؤولين السياسيين في كل مكان وحثهم على اتخاذ ما يلزم من قرارات للحد من تفاقم النفايات، وتقليص المواد التي تقتل الحيوانات برا وبحرا وجوا، أو إلغائها، أو رسكلتها (إعادة تأهيلها صناعيا).

وأعمال بوردالو الثاني ترتهن إلى حدّ بعيد بالمكان الذي يوجد فيه، فعندما قدم إلى باريس، أعدّ منحوتة تمثل قندسا، يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار، رابضا أمام مكتبة فرنسوا ميتران بالدائرة الثالثة عشرة.

ولما سئل عن سبب اختياره هذا المكان وهذا الحيوان، أجاب قائلا “في هذا المكان كان ثمة واد يدعى البييفر la Bièvre يمر بين الدائرتين الخامسة والثالثة عشرة ويصب في نهر السين، ولكنه المصانع والمصابغ التي كانت بجواره حتى مطلع القرن العشرين لوّثته بشكل دفع السلطات المحلية حينها إلى تغطيته، ثم إلى تحويل وجهته، نحو المجاري. هذا الوادي يستمد اسمه من اللغة الغولية القديمة حيث تعني لفظة بييفر القندس، والمعنى نفسه في Beaver الإنكليزية. ما يعني أن الوادي استمد اسمه من وجود القندس سابقا على ضفافه”.

أطلق النقاد على مجموعة أعماله “حيوانات القمامة” وثمنوا جمالياتها وتنوعها، وقدرتها على تغيير وجه المدينة، وتغيير نظرة الناس إلى البيئة، ولفت أنظار المجتمع كافة إلى المشاكل الإيكولوجية، وتحسيسه بانقراض بعض الأنواع الحيوانية؛ ذلك أن تلك الحيوانات التي يتفنن بوردالو الثاني في خلقها تدين بمفردها ما يقتلها، أي التلوث.

قد تبدو الرسالة مباشرة في مرحلة أولى، ولكن من تجذبه المادة، سوف يدرك معناها ومغزاها في وقت لاحق، ليعمل على تفادي تلويث البيئة، وصيانتها قدر الإمكان، بإعادة تأهيل تلك المهملات بدل إغراق الطبيعة بأكداسها.

وفي أعمال بوردالو الثاني تتجلى الموهبة والجدة والجمال وخاصة الرسالة التي يحرص دائما على تبليغها هي نفسها في كل مدينة عرض فيها، من لشبونة وباريس إلى لاس فيغاس وباكو بأذربيجان، وهي ضرورة أن يعتني الإنسان قبل شيء بحال العالم والطبيعة، لأن الفن في رأيه يملك سلطة التأثير على العقول.

16