عندما يتطلع روائي إسباني معاصر جهة طواحين الهواء

الأحد 2013/12/01
لوحة تمثل دون كيخوته يقاتل طواحين الهواء

تندرج رواية "حياة الدون كيخوته وسانتشو" للكاتب ميغيل دي أونامونو الصادرة عن دار "رفوف" بدمشق، بترجمة صالح علماني، ضمن الكتابات الكثيرة التي ما زالت منذ أربعمئة عام تحاول تفسير أسطورة الـ"دون كيخوته" للكاتب العظيم ثربانتس. صدر الكتاب لأول مرة عام 1905 وهو العام ذاته الذي احتفل العالم به بالذكرى المئوية الثالثة لصدور كتاب ثربانتس، لكن أونامونو وفي مقدمة الطبعة الثانية يؤكد أن صدور كتابه توافق، مصادفة وليس عمدا، مع الاحتفال بالذكرى المئوية الثالثة لطباعة الـ"دون كيخوته" أول مرة. وأنه يجب عدم فهم كتابه على أنه «عمل بمناسبة الذكرى المئوية».

وكان اهتمام أونامونو بكتاب ثربانتس قبل صدور كتابه بسنوات واستمر بعده فقد كتب العديد من المقالات التي فكر بإضافتها إلى كتابه في طبعاته التالية، لكنه اقتصر على مقال "قبر دون كيخوته" الذي أضافه إلى كتابه في طبعته الثانية.

وبتقديم صالح علماني لترجمة حياة الدون كيخوته وسانتشو يقول: أنه لا بد من العودة إلى أجواء المرحلة التي كتب فيها الكتاب، أي مرحلة ما بعد هزيمة إسبانيا في مواجهتها مع الولايات المتحدة. فتلك الهزيمة التي أهانت إسبانيا بأسرها انعكست على الحياة بكافة مستوياتها، وأحدثت اختلال توازن بكافة المستويات، وكان خير معبر عن هذا الاختلال كتاب جيل 1898 حيث جاءت أعمالهم تعكس احتضار الكارثة الاستعمارية والغم الوجودي لموضوع إسبانيا، وعكف جيل 98 على المواجهة، وتدفق سيل جارف من النقد والأفكار المطالبة بانبعاث وطني.

ففي "حياة دون كيخوته وسانتشو" يبتعد أونامونو عن الطريقة التقليدية في قراءة عمل ثربانتس تلك الطريقة التي سار عليها التجديديون. واستفاد من شخصية الدون كيخوته بصورة أساسية ليحدد نفسه في دور المثقف المصمم، في تلك الفترة، على لعب دور البطولة. و«حياة دون كيخوته وسانتشو» ليس في الواقع إلا صورة ذاتية يقدمها أونامونو لنفسه، مزينة بقيم الشجاعة والجنون والإيمان وغيرها..

فدون كيخوته هو القناع الذي اختاره أونامونو ليفسر نشاطه العام. ومما لا شك فيه أن أونامونو لا يهمه من قريب أو بعيد تفسير النص الثربانتسي: «أترك للعلماء والنقاد الأدبيين والباحثين التاريخيين المهمة الجديرة والمفيدة جدا، في التحري عما كان يمكن لكتابالـ"كيخوته" أن يعنيه في زمانه، وفي الجو الذي أُنتج فيه، وما أراد ثربانتس التعبير عنه فيه وعبر عنه».

فنرى أونامونو ينطلق في تأملاته حول شخصية الكيخوته من إنكار أي مغزى موضوعي في كتاب ثربانتس، ويُبقي خطابه موجها، حصريا، إلى ذاتية القارئ. فتُرفع التجربة المقتبسة من كتاب ثربانتس لديه إلى مقولة فلسفية، ثم تُحوّل إلى نظرية، وفي حركة ثالثة، ينزلق اهتمام النص إلى الحياة.

يتابع أونامونو بدقة تسلسل حبكة الكيخوته عند ثربانتس. ويتيح له الاقتباس النصي اختيار المقاطع التي يُفترض أنها أثرت بقوة أكبر على مخيلته، بينما نراه يختزل للقارئ تلك الأجزاء من قصة النبيل العبقري والتي لا تتوافر على الدسم الذي يخدم مصالحه. وهكذا، في الفصل السادس، من القسم الأول من الكيخوته، ذاك الذي يتناول «التفتيش الكبير والشائق الذي قام به الكاهن والحلاق في مكتبة نبيلنا العبقري». يكاد أونامونو لا يعلق إلا بقول ما يلي: «إنه فصل يتحدث عن الكتب وليس عن الحياة. فلنتجاوزه.». ولا يمكننا أن نغفل واقع أن أونامونو، في الوقت الذي يعمد فيه إلى تكريس صفحات عديدة للتعليق على بعض الفصول، نجده يقتصر في فصول أخرى على التعليق ببضعة أسطر فقط، فهو يعلق على الفصلين (33-34): «هذان الفصلان يتناولان حكاية "الفضولي السفيه" وهي حكاية ليس لها أي علاقة بسياق هذه القصة»، وكذلك على الفصول (39، 40، 41، 42) إذ يكتفي بالقول: «هذه الفصول مليئة بقصة الأسير وقصة كيف عثر المندوب على أخيه».

يقوم أونامونو بعملية تحوير بارعة تستحق نتيجتها التأمل، فيحوّل، في الظاهر، قارئ «حياة دون كيخوته وسانتشو» إلى قارئ متميز لعمل ثربانتس. إن اختيار الاقتباسات (وهي منتقاة بدقة عالية جدا) وتعليقاته المرافقة لها، تجسّد بعمق معنى تلك القراءة «الجديدة». فنراه يرد على ملاحظات جاءته من مترجمه الأميركي حول «خطأ» في بعض الاقتباسات من نص ثربانتس. يقول صاحب "الخالة تولا" الذي تعمد ذلك التلاعب: "إن ثربانتس هو الذي أخطأ، وأن تفسيري وتعليقي، وليس تفسيره، هو الأمين".

أونامونو يُقدَّم إلى القارئ هنا نصا موازيا ومختلفا يمكن لنا أن نسميه: «حياة دون كيخوته وسانتشو حسب أونامونو».

ولا يكتفي أونامونو في تفسيره لنص ثربانتس بتقديم روايته الخاصة، بل إنه يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك. فما يفعله، أو يحاول على الأقل أن يفعله، هو تحرير دون كيخوته من سجن التخييل الروائي، لجعله ينطلق من جديد في دروب الواقع.

يرمي أونامونو إلى تفسير مغامرات نبيل المنتشا وتابعه، والتعليق عليها ليجد فيها مفاتيح سرية لقراءة وتفسير تاريخ إسبانيا وشخصيتها. ويرى أن هذه هي مهمة حياته.

موقف أونامونو يقوده إلى حدّ إلغاء ثربانتس بصورة سافرة، والتحوير في قصة الرواية الثربانتسية، وإضفاء أهمية على بعض الحوادث والوقائع دون غيرها، وحتى الإشادة ببعض شخصيات العمل والحط من غيرها مثلما هي حال الكاهن، والمجاز، والحلاق…

يعتقد أونامونو أنه لا بد من إعطاء الصوت مجددا لدون كيخوته وسانتشو، وأن هذا هو العلاج الوحيد لإنقاذ النفوس الإسبانية المهزومة، والتي مالت إلى التعقل المادي والإيجابي، الخاص بمن يبتهجون ويرضون بالنجاح المجرد، ولا يشعرون بأن هناك ما هو أكبر وأعظم من مجرد الوجود.

يعتقد أونامونو أنه لا بد من إعطاء الصوت مجدداً لدون كيخوته وسانتشو، وأن هذا هو العلاج الوحيد لإنقاذ النفوس الإسبانية المهزومة، والتي مالت إلى التعقل المادي والإيجابي

فنلاحظ أونامونو غارقا في بحث عن الأبعاد الفلسفية لشخصيتي دون كيخوته وسانتشو، تلك الأبعاد التي لم ينتبه إليها ثربانتس في روايته: «هل هنالك فلسفة إسبانية يا سيدي دون كيخوته؟ أجل، إنها فلسفتك، فلسفة دولثنيا، فلسفة عدم الموت، فلسفة الإيمان، فلسفة خلق الحقيقة. وهذه الفلسفة لا يمكن تعلمها في الجامعات، ولا عرضها من خلال المنطق الاستقرائي أو الاستنتاجي، ولا تُستخرج بالقياس، ولا من مختبرات، وإنما هي تنبع من القلب».

فلسفة عدم الموت، فلسفة الخلود، هي هاجس أونامونو إذن.

وفي مسعاه هذا من أجل إنقاذ دون كيخوته من غموض الرواية الثربانتسية والتباسها، ينتهي إلى تحويل بطل الجنون إلى شخصية تراجيدية، إلى بطل تراجيدي. فجنون دون كيخوته «جنون مجيد» قوامه التلهف إلى المجد، إلى مواصلة البقاء وعدم الموت.

أما سانتشو، سانتشو التابع البائس، الساعي لتأمين لقمة العيش لزوجه وأبنائه، الحالم بوعد سيده أن يصبح حاكما للجزيرة، يتحول عند أونامونو إلى شخصية ذات أهمية كبيرة، فهو ليس التابع وحامل أسلحة الفارس وحسب، إنه البشرية كلها في نظر دون كيخوته. سانتشو هو دون كيخوته «الآخر». والثنائي دون كيخوته ــ سانتشو يمثلان حوار الشعب الإسباني المنقسم إلى هاتين الشخصيتين، وإذا كان أولهما أعلى مرتبة فإن الآخر لا يقل عنه، فدون كيخوته هو البطل وسانتشو هو البطل الآخر المعبر عن الحس العام، عن العقل الإيجابي والمادي الذي يسخر من كل مثالية كيخوتية، لأنه يضحك من كل ما لا يستطيع رؤيته ورصده مباشرة.

ربما تلخصت إضافة أونامونو الحقيقية في إنقاذه صورة سانتشو وربما يكون سانتشو هو الشخصية التي يتطابق معها أونامونو، على الرغم من كثرة التفسيرات التي تقرب الكاتب الباسكي من دون كيخوته.

يثبت لنا أونامونو في كتابه هذا أنه فيلسوف بامتياز، فيلسوف محض، إنه الرجل الذي يتعرى أمام الحياة بلا أحكام مسبقة، يعري روحه. وبذلك الألم الذي يسميه هو نفسه «الشعور المأساوي بالحياة»، وهدف الفلسفة عند أونامونو هو الإنسان الذي من لحم وعظم. فلسفة أونامونو تتطابق تماماً مع الكيخوته، ويبدو أن الكيخوته قد كُتب ليكون نموذجا لأفكاره.

12