عندما يتكلم أهل الفن في السياسة

الأربعاء 2017/02/01

لا شك أن الفنان إنسان ومواطن، شأنه شأن غيره من المواطنين، أي أن من حقه أن يبدي رأيه في القضايا العامة التي تهم بلاده وتهم الشعب الذي ينتمي إليه، فمن البديهي أن جمهور الفنان، خاصة لو كان من المشاهير وما يسمى بـ”أهل الصفوة”، ينتظر منه أن يعبّر عن رأيه في القضايا المصيرية التي تتعرض لها أمته واللحظات الفارقة التي تواجهها.

من حق الفنان إذن أن يتحدث في السياسة، وهناك نماذج كثيرة للفنان الذي يعبر عن آرائه ومواقفه السياسية في الغرب، من أشهرها، موقف الممثلة جين فوندا المناوئ لموقف بلادها الرسمي من حرب فيتنام، وموقف مارلون براندو الذي لم يكن يكف عن توجيه النقد الشديد للسياسة الأميركية بشكل عام، وحديثا موقف روبرت دي نيرو الذي اعتبر دونالد ترامب مجرد رجل مختل عقليا، بل وأبدى رغبته في أن يلكمه على وجهه إذا التقاه، وجاءت تصريحاته من خارج بلاده أثناء حضوره مهرجان سراييفو السينمائي.

أما أرنولد شوارزنيغر المعروف بمواقفه اليمينية وانتمائه إلى الحزب الجمهوري، فقد أعلن أنه لن ينتخب ترامب بعد تصريحات الأخير التي اعتبرت مهينة للمرأة. وهو موقف ذكي من جانب شوارزنيغر الذي لم يكن يريد أن يخسر جمهوره الكبير الذي يقدره، لكن الموقف الذي أثار رد فعل أكبر هو موقف النجمة ميريل ستريب التي انتهزت فرصة وجودها على منصة حفل توزيع جوائز مسابقة “غولدن غلوب”، فأعلنت أمام حشد من وجهاء هوليوود، وأمام عدسات المحطات التلفزيونية التي يشاهدها العشرات من الملايين في العالم، أنها تستنكر سلوك ترامب -دون أن تسميه- المعيب عندما سخر من مراسل صحافي أجنبي معاق أثناء خطاب له في ولاية جنوب كارولينا عام 2015.

هذه التصريحات لم يعتبرها أحد في الولايات المتحدة “خيانة عظمى” كما يحدث في بلداننا العربية المجيدة.. فقد أصبح من يتجرأ وينتقد شخص الرئيس يمكن أن يخاطر بأن توجّه له التهمة المضحكة المستحدثة، أي تهمة “إهانة الرئيس”، أما من يوجّه انتقاداته من خارج البلاد فيواجه عادة بتهمة الخيانة والعمالة، ويتمّ تشويه سمعته في وسائل الإعلام بواسطة أشخاص “مستأجرين” لهذا الغرض.

وقد أصبحت “الأجهزة” المعروفة، تشجع خوض الفنان في السياسة، شريطة أن يقتصر على مديح السلطة، بل وتستخدمه أيضا في تشويه صورة من تعتقد أنهم خصومها السياسيون لمجرّد أن لهم أراء مختلفة. أحدث هذه الاتهامات ما كتبته الممثلة المصرية داليا البحيري على موقع فيسبوك متهمة لاعب الكرة المعتزل أبوتريكة بأنه “إرهابي بالفطرة”، وقالت إن وجهه “كله لؤم فلاحين.. ونظراته مش مريحة خالص” وأنها “تكرهه لله في سبيل الله من زمان” وأنه “إرهابي حتى قبل مساندته لجماعة الإخوان المسلمين”!

اتهامات البحيري للاعب الكرة لم تمرّ مرور الكرام بسبب ما يتمتع به من حب الملايين من الناس الذين انهالوا عليها باللوم والتقريع، فتراجعت وقالت ما يمكن أن يندرج في إطار الهزل، وهو أنها كانت تمزح، وأنها ليست غبية لكي تهاجم لاعبا شهيرا يتمتع بحب الكثير من الناس، لكن هذا ما فعلته بالضبط!

توجيه الاتهامات للأشخاص قبل صدور أحكام قضائية نهائية تدينهم جنائيا سواء بالإرهاب أو بأي جريمة أخرى، أصبحت تمثل ظاهرة منتشرة بشدة كالوباء الذي لم نعد نملك له دفعا، بعد أن أصبحت وسائل الإعلام توجه بالكلمة وبالحرف، في ما تقوله وما لا تقوله، ما تسمح به وما لا تسمح، وبعد أن أصبحت تسمح بممارسة البذاءة قولا وإشارة علانية، وتسمح بالسب والقذف وتشويه السمعة بالجملة، دون أن يملك أحد لها دفعا، بل ولا حتى القضاء.

وهو ما يشير ليس فقط إلى وجود أزمة أخلاقية كبرى، بل وإلى سقوط الثقافة المجتمعية بالمعنى الأشمل والأعم.. رغم الحديث الذي لا يكفّ ليلا ونهارا، عن المثقفين الذين اتجهوا، إما إلى التهليل لكل ما تفعله السلطة، وإمّا الانكفاء على الذات بعيدا في الظل!

ناقد سينمائي من مصر

16