عندما يجمع الحدث الشيء ونقيضه تملأ الأخبار المبتورة الصحافة التونسية

مؤسسات إعلامية تُدار كالحوانيت للربح السريع، وقضية المصور الصحافي عبدالرزاق الزرقي تبرز سوء تقدير الأمور صحافيا.
الخميس 2018/12/27
قضية عبدالرزاق الزرقي مثالا عن غياب الدقة في الأخبار

أربكت قضية المصور الصحافي عبدالرزاق الزرقي الإعلام التونسي الذي وجد نفسه يتخبّط بين الإقرار بأن الرجل “أقدم على حرق نفسه” وبين الإعلان عن فتح تحقيق في “الوفاة”، مع سيل الشائعات والأخبار المتضاربة على مواقع التواصل الاجتماعي، غذاها شحّ المصادر الرسمية أو تقاعسها.

منتصف النهار وسبع وثلاثون دقيقة. الموقع الإخباري يقول “المصور الصحافي عبدالرزاق الزرقي الذي أقدم أمس على حرق نفسه يوارى الثرى”. منتصف النهار وخمسون دقيقة. الموقع الإخباري نفسه يقول “فتح تحقيق في وفاة المصور الصحافي عبدالرزاق الزرقي”.

ثلاث عشرة دقيقة فقط تلخص التخبط بين الإقرار بأن الرجل “أقدم على حرق نفسه” وبين الإعلان عن فتح تحقيق في “الوفاة”. وقد يبدو التطور في النشر منطقيا غير أن الموقع جزم الأمر في الخبر الأول جزما لا عودة فيه إذ أخبرنا أنه انتحر. ولم يكن التخبط حكرا على ذلك الموقع بل لحق وسائل إعلام أخرى كثيرة.

وفي حين كان عبدالرزاق الزرقي المصور الصحافي الشاب يشغل الناس ويملأ فيسبوك بالفيديو الذي نشره معلنا عن “انتحاره حرقا” تجاهل التلفزيون التونسي الأمر في نشرة الأخبار الرئيسية مما أدى إلى ردود فعل ساخرة أو حانقة. التلفزيون الذي أهمل الأمر في نشرة مساء الاثنين افتتحها بجنازة الشاب مساء الثلاثاء.

ومن السكوت التام عن الحريق إلى افتتاح النشرة به في ربط مباشر من القصرين، مدينة عبدالرزاق، وباستضافة ممثل عن المحكمة معلنا عن فتح تحقيق في شبهة جريمة القتل العمد يبرز سوء تقدير الأمور صحافيا. لقد التهب فيسبوك قبل ذلك وبعده برواية الانتحار تقابلها روايات النحر المدبّر وحلت محل الوقائع تخيّلات الناس المشحونة عواطف بما يشبه مرحلة ما بعد الوقائع.

ماذا جرى؟ مصور صحافي أحرق نفسه. كيف؟ سكب البنزين على جسده وأضرم فيه النار. لماذا فعل ذلك؟ ثأرا من الحكومة التي لم تحرّك ساكنا في محافظة القصرين المنكوبة. وسرى الخبر ساعات على ذلك النحو حتى ظهر بعضهم للقول إنه أُحرق وإن أحدهم أضرم فيه النار وإنه انتحر لضيق ذات اليد. “بعضهم” هم أولئك الذين من العامة والخاصة ينشرون على الشبكات الاجتماعية الأمر ونقيضه لغموض الأخبار الصحافية ولغايات أخرى.

لقد أصبحت الأخبار غير الدقيقة والمبتورة تملأ الصحافة التونسية. وإن كانت قضية عبدالرزاق الزرقي مثالا عن غياب الدقة في الأخبار فإن المبتور منها جاء قبل أيام قليلة عندما أعلن وزير الصحة التونسي عن هجرة 620 طبيبا من أطباء الاختصاص في سنتين. اكتفت الصحف كلها بنقل كلام الوزير دون زيادة.

ما اختصاص هؤلاء؟ ما مواقع عملهم؟ ما وجهة هجرتهم؟ ما رتبهم في المستشفيات؟ هل من بينهم من يعمل في القطاع الخاص؟ لا الصحافيون سألوا ولا الوزير أجاب. لماذا هاجروا؟ اكتفى الجميع بجواب لا يسمن من جوع وهو حديث الوزير عن “ظروف صعبة”.

الخبر يقض مضجع السلطان أكثر من الآراء وأكثر ما يقلق فيه دقته وتكامله وقد ينشأ تواطؤ على الخبر بين صحافيين وحكام

ويمكن أن نتفهّم الأمر يومها تحت الوقت الضاغط في الأستوديوهات وفي مكاتب التحرير الأخرى بناء على أنه كان أمام الصحافيين متسع من الوقت للعودة إلى مثل ذلك الموضوع بالتوسع فيه وبالجواب عن أسئلة لم يسألوها لما حدثهم الوزير عن الأمر. فهل الصحافي التونسي ناقص كفاءة؟ هل هو متقاعس؟

قبل أيام نشر الصحافي جمال العرفاوي تدوينة إلى السخرية أقرب يقول فيها “طلبت معلومة من السفارة الأميركية فجاءني الرد بعد نصف ساعة.. وها أنا أنتظر رقمين من رئاسة الحكومة منذ أسبوع”. ولا يبالغ العرفاوي في كلامه فكثير من الصحافيين عدلوا عن مقالات أو فقرات في برامج أو في النشرات الإخبارية بسبب بطء المصادر الحكومية في الرد أو الصمت أحيانا أو حتى الرفض لحسابات بعض الموظفين الضيقة.

شحّ المصادر أو تقاعسها لدواع شتى يقضم من يوم الصحافي فلا هو ينجز عمل يومه ولا هو يعود لما فاته فمشغلوه يريدون مواد للنشر السريع والتسارع لا يأتي بالأخبار الدقيقة الكاملة. وكثيرا ما يرد الصحافيون على من يتهمهم بالحشو أنهم يُرغمون على ذلك لملء الصفحات أو الشاشات، فكثير من “المؤسسات الإعلامية” تُدار كالحوانيت للربح السريع.

ولا نعتقد أنّ نقابة الصحافيين التونسيين أخطأت حين ردت على احتراق عبدالرزاق الزرقي ببيان حاد تحذر فيه “أصحاب المؤسسات الإعلاميّة المتنصلة من احترام قانون الشّغل وتعهداتها” وتحمّل الدولة المسؤولية بأنها “ساهمت في جعل القطاع الصحافي مرتعا للمال الفاسد والمشبوه، الخادم لمصالح ضيّقة بعينها”. كان موقف النقابة مبدئيا بصرف النظر عن ملابسات الاحتراق لأن ظروف الصحافيين ماديا تبعث على السخط.

يتقاضى الصحافيون المخبرون مقابلا محدودا في حين أنّ المعلقين الذين يبيعون كلاما إلاّ من رحم ربك ينالون الملايين. وعندما يُبخس المخبرون حقهم تتعاظم التعليقات وتتناقص الأخبار وتنتشر التأويلات فيتحول ما كان ينبغي أن يكون خبرا إلى ما يريده المتلقون خبرا. يبنون على تأويلات المعلقين ويتخيلون وقائع على هواهم.

ولذلك انقسم الناس إلى فريقين أحدهما رأى في احتراق عبدالرزاق الزرقي عملا بطوليا وآخرهما رأى فيه جريمة مدبرة ذهب الشاب ضحيتها. فهل يمكن أن نرى في الحدث الواحد الشيء ونقيضه؟ وهل يمكن التعليق على ما هو غير ثابت من الوقائع؟ ألم يقل محمد حسنين هيكل إن الخبر هو عصب الصحافة؟

الخبر يقض مضجع السلطان أكثر من الآراء وأكثر ما يقلق فيه دقته وتكامله. وقد ينشأ تواطؤ على الخبر بين صحافيين وحكام. ولم يفت التونسيين صمت الصحافي الذي حاور رئيس الحكومة يوم 21 ديسمبر عما يقال إنه جهاز حركة النهضة السري فالسؤال أداة للحصول على الخبر. سؤال جوهري لم تسأله الصحافة التونسية وفوتت على نفسها فرصة دفع الكثير من التهم عنها: كيف توجه النيابة العمومية تهمة القتل العمد لمن سيكشف عنه البحث ثم تدفن الجثة دون تشريح؟ سؤال ما كان ينبغي إهماله بعد خبر الواحدة إلاّ عشر دقائق.

18