عندما يحاضر الوزير القطري في الديمقراطية

الخميس 2013/08/29

في أول امتحان له على مقعد وزير الخارجية القطري سقط الوزير الجديد خالد العطية عن الكرسي ليساعده موظفوه في العودة إليه بعد أن فقد عقاله وعقله.

لم يتحمل الوزير الهمام- الذي رافق الوزير المستثمر السابق حمد بن جاسم فترة طويلة وراهن الأمير الجديد تميم عليه- أن جريدة في أقاصي الغرب أفادت بأن رئيس المخابرات السعودية بندر بن سلطان قال لرفاقه أن قطر ليست سوى 300 شخص وقناة تلفزيونية.

أتفق مع الوزير، فالأمير بندر بن سلطان لم يحدد الرقم جيداً، فهو يزيد عن ذلك بقليل، وأيضا القناة ليست واحدة بل قنوات تدور في فلك القناة، كنجوم تشعّ كراهية من حول قطب يمدها بأسباب البقاء من أوزون الأخونة والتبشير بالخليفة العثماني المقبل الذي قاتل في «معركة الوجبة» في يوم مضى أجداد الوزير والأمير والثلاثمائة شخص، بسبب طموحات الغزاة العثمانيين.

كوزير خارجية يفترض بك أن تكون أكثر دبلوماسية فتختار عباراتك بعناية ودقة، ولا تسمح للعامة أن تأوّل ما قيل على أنه أزمة بين بلدين وصراع نفوذ.

ووزير الخارجية القطري نافح عن نص كتب ونشر في جريدة أميركية لم يسند إلى مصدر (بل قيل عن قال). لم يحتمل العطية ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال ليخرج علينا في موقع التواصل الاجتماعي تويتر فزعا، ويطلق بـ»خنفشارية» عالية تصريحا هزّ الجزيرة العربية وتردد صداه في ثنايا جبال السروات، يقول: «مواطن قطري يعادل شعبا، وشعب قطر عن أمة بأكملها، هذا ما نلقنه لأبنائنا».

يا للعظمة، لو صدقنا هذا التصريح، فلنقل إذن، مع احترامنا لكل الشعوب، أن الشعب القطري عن ثلاثمائة شعب، بل عن قارتين بكل تضاريسهما ونتوءاتهما وزوائدهما الصخرية.

ولكن لابد من أن نذكّر الوزير العطية بأنه مادام المواطن القطري عن شعب، فإن اعتقال مواطن يعني اعتقال شعب، والزجّ بشاعر شعبي اعتاد الفخر بقبيلته يعني أيضا زج أمّة وراء القضبان. وعندما يغضب العطية من تصريح نقل في جريدة ولم يسند إلى مصدر معلوم، فماذا عن الشعب السعودي أن يفعل وهو الذي سمع تفاصيل المؤامرات الهاتفية عبر موقع «اليوتيوب» التي حيكت بين الوزير السابق خلال وجوده في منصبه والعقيد القذافي، وقد استهدفت وحدة بلاده، خاصة وأن السعوديين ليسوا ثلاثمائة شخص وحسب حتى يمكنهم الهروب من المعركة في حافلة كبيرة.

وحينما يخبر الوزير القطري شعبه بأنه أمة، فهل يعلم أن الأمة التي يفتخر بها لا تقاليد ديمقراطية لديها ولا هم يحزنون، وأنها لو كانت تتمتع بالديمقراطية لكان هو أول من يخسر منصبه.

هل يعلم السيد الوزير أن وزارته وقنواتها التي تنوح وتلطم ليل نهار وتزحف إلى كربلائها العدوية حزنا على «ديمقراطية» و»شرعية» لا تملك ألف الديمقراطية والتمثيل الشعبي، ناهيك عن بائها.

وقد ينسى الوزير الهمام أن تسخير إمكانيات بلاده الغازية للإطاحة بحكام وأنظمة، ثم محاولة إعادة الفاشلين المطرودين منهم إلى الحكم، بدعوى صيانة الحريات والديمقراطية وتمثيل الشعوب في مقاعد الحكم، هي أمور لم يسمع شعبه عنها شيئا إلا عبر التلفزيون، وتعرّف إليها في ما يشبه لعبة «بلاي ستيشن» فيهدِّفون على المرمى من بعيد وأقدامهم مشلولة.

وحينما تغضب قطر بكل شعوبها وأمتها من قرار الشعب المصري (القليل العدد) في إزاحة حاكمه الذي أساء لمصر وأمنها وثورتها ومكانتها بين الأمم، حينما تغضب الأمة القطرية من إزاحة حاكم عبر قرار اتخذته الملايين، وقد خرج شعبه إلى الشوارع ضده من كل فج عميق، كيف لها أن تنسى أن حاكمها الأسبق أزيح يوما عبر خروج ثلة من الضباط منفذي الانقلاب وانتقلوا بسيارة دفع رباعي واحدة إلى قصر الأمير الجديد ليطمئنوه أن الأمة كلها معه في انقلابه غير الشرعي على والده.

كيف لأمة لم تمارس حق اختيار حاكمها يوما أن تلقّن شعبا أنجبته حضارة عظيمة أصول الديمقراطية والتمثيل الشعبي وتداول السلطات.

كيف لأشخاص يعتمرون عقال وراثة الحكم والمُلك العضوض أن يقدموا فكر روسو في الحكم وفلسفة مونتسكيو في شرائع الأنوار. للأسف هذا ما حدث، فوجدت صاحبنا الوزير يتحدث بكل غرابة مع صديقه العثماني عن شرعية حكم عدلي منصور وتصرفات السيسي ويشمئز من خلع حاكم منتخب نبذه شعبه.

يا للغرابة، لكأن وزيرنا الهمام ناضل في أقبية حزبه العتيد وقاتل ضد نظام حكم ديكتاتوري، ليتبوأ مقعدا في الوزارة حمله إليه الشعب عبر صناديق الاقتراع، مكافأة واستحقاقا لممثل الأمة القطرية.

هل يعتبر وزير الأمة القطرية الخالدة أن تمويل الجماعات المتشددة والمتطرفة فخر له ولأمته، هل يعتقد أن الوقوف مع جماعة إخوانية ظلامية كانت ولا تزال حاضنة للقاعدة والتطرف مصدر عزة.

للأسف إن مواقف وزارة الخارجية القطرية لا تزال كما هي تدعي الوقوف إلى جانب الشعوب، لكنها تنضح تعصبا وتطرفا ودعما للظلام والتطرف وأكلة الأكباد.

توقعنا وأملنا الخير في التغيير الذي تمت وفقه إزاحة حاكم وقدوم حاكم آخر شاب ومتفتح، لكن ما حدث هو أن عقلية الأمة الإخوانية لم تتغير وبقيت معششة في تلافيف مخيخها الصغير حتى لو كان مستشارها ليبرالي شيوعي كنيستي.

ورأينا كيف أن المسؤولين القطريين يقفون ضد إرادة الشعب المصري بملايينه وينتصرون لآلاف الإخوان في بيان فضح هشاشة كذبهم وادعاءاتهم بأنهم يقفون مع الشعوب.

هل أن أكثر من 30 مليون مصري هم مجرد فئة لا تمثل شعب مصر، بينما البلتاجي وبديع وشلة الجباه الباذنجانية تمثل مصر العظيمة.

كيف تهاوت أسطورة رددها مسؤولو الأمة القطرية العظيمة وشعوبها المجحفلة بأن قطر تنصت لإرادة الشعوب وتقف معها.

في الحقيقة قطر لا تستمع إلا لصوتين؛ أحدهما يقيم في الدوحة وهو بوصلتها الإسلامية هو صوت القرضاوي الذي قرض الفتنة والكره والحقد لكل تعددية، واعتبر أن الإخوان هم خلاصة الإسلام ولبه وحجته، ونسي القرضاوي ومن يموله أن الإسلام كان قبل الإخوان وسيظل بعد رحيلهم إلى مزبلة التاريخ.

الصوت الثاني هو صوت الرعد الأميركي الذي يأمر فيطاع، فلولاه لما ضمن زعماء الأمة القطرية الخالدة ممارستهم لأدوار مشبوهة في عالمنا العربي.

بحماية «عْديدها» و»سيليّتها» ينفخ العطية بوقه الذي حُمل إليه من الكنيست بعد أن تسلم هذا البوق من حمد بن جاسم في حفلة باركتها الأمة والشعوب المجيدة.

9