عندما يحاور الصحافي رجل الدين

فرحناز فروتان تسرد لنا بشجاعة كيف رفضت أن تكون لا مرئية وهي تطلق السؤال على سهيل شاهين المتحدث الرسمي باسم حركة طالبان خلال مؤتمر صحافي شاركت فيه بالعاصمة القطرية الدوحة.
السبت 2021/05/01
كم صحافية وضعت في هذا الموقف؟

تكاد تختصر لنا الصحافية الأفغانية فرحناز فروتان مشهدا مريرا في دلالته عندما يكون الصحافي بمواجهة رجال الدين والمشايخ والمراجع وآيات الله…

المرارة تكمن في خضوع الصحافي وتودده وليس إطلاق الأسئلة الأكثر طلبا والمنتظرة من قبل الجمهور على رجال الدين. وفي جانبها الآخر قبول الصحافيات بشروط رجال الدين اضطرارا أو تحت وطأة الحاجة للحصول على المادة الصحافية، وأولها الدخول في الكيس الأسود الفضفاض!

تسرد لنا فرحناز بشجاعة رائعة كيف رفضت أن تكون لا مرئية أمام رجل الدين المتشدد وهي تطلق السؤال على سهيل شاهين المتحدث الرسمي باسم حركة طالبان خلال مؤتمر صحافي شاركت فيه بالعاصمة القطرية الدوحة.

رفضت تجاهل “الطالباني” المتشدد لسؤالها لأنها لم تضع غطاء على شعرها، ولم تكن لتتنازل عن هيئتها وجمالها للقبول بالشروط الظلامية للحركة المتطرفة. فهي كأي امرأة أفغانية أو عراقية أو إيرانية… دفعت تكلفة الحروب التي أضرم نارها رجال الدين.

لم تفقد فرحناز التي فرت من بلدها بعد أن تعرضت حياتها للتهديد، منزلها فقط، بل وطنها لأنها امرأة أولا وصحافية ثانيا.

تسرد لنا كيف غطت المفاوضات التي جرت بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية في العاصمة القطرية الدوحة، وأتيحت لها فرصة لمقابلة أعضاء فريق طالبان المفاوض في قاعة المؤتمرات. كان من المستحيل أن تكون مثل هذه الفرصة متاحة في أفغانستان التي مثلت بيئة كئيبة ومهينة للنساء.

المقابلة مع المتحدث باسم طالبان وإن كانت ضمن مؤتمر صحافي مشترك، بلورت لدى فرحناز ذلك الشعور المخيف. فعندما اقتربت من شاهين في قاعة مليئة بالصحافيين والوفود، لم تكن ترتدي غطاء الرأس. لم يستطع المتحدث باسم طالبان إخفاء ازدرائه لوجودها وشرع في تجاهلها، لكنها لم تتراجع ورفضت أن تكون غير مرئية وواصلت توجيه كاميرا هاتفها إليه أثناء طرح أسئلتها.

تعترف هذه الصحافية بأن مجرد إطلاق السؤال على ممثل حركة طالبان أصابها بالرعب، مع أنه أجاب أخيرا على أسئلتها هي المرأة غير المحجبة “تحركت عيناه في كل اتجاه عدا وجهي، فحص الجدران والسجاد على الأرض والكراسي والباب. لم يستطع النظر إلي، حتى وأنا أقف أمامه. كان الأمر كما لو أنه رآني تجسيدا للخطيئة والشر. شعرت بعدم الأمان، حتى في قاعة مليئة بالناس، وعلى بعد آلاف الأميال من أفغانستان”.

إذاً توفرت لدينا صورة لصحافية غير محجبة أمام رجل دين متشدد، كانت بطلتها الأفغانية فرحناز فروتان. فمن بين أشهر الصور في سبعينات القرن الماضي لصحافية غربية جالسة أمام الخميني تحاوره في مقر إقامته بفرنسا، وقد وضعت جسدها في كيس أسود، كان يندر أن تراه شائعا في ملابس النساء آنذاك!

كم صحافية توضع اليوم في هذا الكيس الأسود رغما عنها عندما تقابل رجال الدين؟

يمكن أن أرشدكم الى واحدة من آخر هذه الصور، إلى جينين هينيس بلاسخارت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثتها في العراق، في حضرة السيستاني! لأن المرجع الشيعي لا يقابل الصحافيين أصلا كان وجود امرأة في مجلسه فتحا تاريخيا.

المرأة بالنسبة إلى مثل هؤلاء المتشددين كائن يجب ألا يكون مرئيا، فكيف بها وهي تريد إسماع صوتها كصحافية تحاور وتسأل وتبحث وتجادل.

ذلك الشعور بالتمييز كان يسيطر على فرحناز ويراكم الغضب في داخلها. فالحروب التي أشعلها السياسيون بمباركة رجال الدين دمرت حياة النساء بشكل غير متناسب. ومع ذلك نكتشف أن رئيس وفد مفاوضات السلام في أفغانستان، بالكاد ينظر إلى المرأة على أنها تستحق أن يكون لها رأي.

ما الذي حصل بعدها لهذه الصحافية التي قدر لها أن تغطي مفاوضات السلام التي جرت بالدوحة؟ بعد أسابيع قليلة من عودتها إلى كابول، تلقت مكالمة تخبرها أن اسمها كان على “قائمة المستهدفين”.

هذه القائمة قصة مستمرة من كابول إلى صنعاء وبغداد تستهدف النشطاء والصحافيين من قبل الميليشيات والتنظيمات المتشددة. وبالفعل تمت تصفية واغتيال واختطاف العشرات من الصحافيين ولم يتم التعرف على مصير العديد منهم لحد الآن.

هربت فرحناز من أفغانستان وتعيش حاليا في الولايات المتحدة، مثلما هرب غيرها العشرات من الصحافيات العراقيات والإيرانيات.

لأن القصة أفغانية بامتياز مع التشدد فمن المفيد الإشارة إلى أن الأرقام تتحدث عن توقف حوالي 200 صحافية عن العمل في أفغانستان، استطاع عدد قليل منهن الهروب خارج أفغانستان. ومن بين 1900 صحافية كن يعملن في البلاد في يناير 2020، تركت حوالي 200 المهنة بحلول نوفمبر، بعد أن تلقين مكالمات بالتهديد إن لم يتركن العمل الصحافي.

كتبت فرحناز قصتها بأسى في صحيفة نيويورك تايمز، متسائلة عن مستقبل بلادها القاتم بعد أن تُركت إلى طالبان مرة أخرى.

تشعر هذه الصحافية باليأس مثلما راود هذا الشعور المئات غيرها من الصحافيين وهم يرون بلادهم ترزح تحت وطأة اللادولة بذريعة الدين.

18