عندما يحاول أردوغان تحميل الإمارات هزائمه وخساراته المتلاحقة

نظرية المؤامرة جزء أصيل من عقيدة السياسة التركية تضخم في ظل العدالة والتنمية.
الأحد 2019/04/21
النظام التركي لا يتحرك بمعزل عن مواقف حليفه القطري

يصف الكاتب والصحافي التركي مصطفى أكيول سبب انتشار نظرية المؤامرة في تركيا قائلا «إنها تعطينا شعورا قويا بأننا نحظى بأهمية بالغة. عندما نعتقد أن العالم يتآمر ضدنا، يجب أن يكون حقا أمرا كبيرا… أعتقد أن الإيمان بنظرية المؤامرة يجعلنا نثق في أنفسنا أكثر بعدما كنا قد فقدنا هذه الثقة إبان انهيار الإمبراطورية العثمانية”.

نظرية المؤامرة كانت موجودة في البلاد قبل تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، لكنها محدودة ومنحصرة بالأساس في الموقف من الغرب مع التركيز على التصدي لأي حلم قومي للأكراد وإنكار الإبادة الجماعية للأرمن. أما بعد سيطرة العدالة والتنمية على السلطة، فأصبح الهدف الأول إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأكراد، قبل أن يتحول الهاجس لاحقا إلى عدوانية ضد الغرب وضد كل محور الاعتدال العربي، وبخاصة الدول المناهضة لقوى الإسلام السياسي وعلى رأسها الإمارات ومصر والسعودية، وكل من يثبت رفضه لمشروع التوسع الإمبراطوري الذي يطمح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تحقيقه بجناحي الشوفينية القومية والعقيدة الإخوانية، بالإضافة طبعا إلى المعارضة في الداخل.

السلطان الجديد، الذي اقتنع بأنه يحظى بدعم من الله في السماء والمسلمين في الأرض، لم يعد يقبل أن يحلل بالعقل خساراته وهزائمه السياسية والاقتصادية، أو تراجع شعبيته وشعبية حزبه، لذلك عليه في كل مناسبة أن يتعلق بنظرية المؤامرة، لأنها وحدها التي يمكن أن ترضي ما يعانيه من حالة هي أقرب إلى البارانويا التي يملك المصاب بها جهازا عقائديا معقّدا وتفصيليا يتمركز حول أوهام واقعية تقنعه بأنه مستهدف من قبل الآخرين وأنّ السبب الرئيسي لاستهدافه من قبلهم هو كونه شخصا عظيما ومهمّا للغاية.

آخر تجليات هذه الحالة الأردوغانية، محاولة الزج بدولة الإمارات العربية المتحدة في ما وصفته السلطات التركية بالقبض على جاسوسين قالت إنهما يحملان الجنسية الفلسطينية، وتربطهما علاقة ما بالقيادي الفتحاوي السابق محمد دحلان، ولتأكيد اتهام الإمارات، عمدت أنقرة إلى ما يعمد إليه عادة حلفاؤها القطريون والإخوان من التأكيد على أن دحلان هو أحد المستشارين الأمنيين لدولة الإمارات.

خبر وفرضيات

يخوض معارك دونكيشوتية
يخوض معارك دونكيشوتية

أعلن مسؤول تركي أول أمس الجمعة أن بلاده ألقت القبض على مشتبهين، هما سامر سميح شعبان وزكي يوسف حسن، وهما مواطنان فلسطينيان، في مدينة إسطنبول. وزعم المسؤول التركي أن المشتبهين من عناصر المخابرات وأنهما اعترفا بالتجسس على رعايا عرب.

وأضاف أن أنقرة تحقق في ما إذا كان قدوم أحدهما إلى تركيا مرتبطا بمقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. وتابع أن النيابة العامة أحالت المشتبهين إلى القضاء بتهمة ارتكاب جريمة “التجسس السياسي والعسكري” و”التجسس الدولي”.

وذكرت صحيفة “يني شفق”، المقربة من السلطات، أن المشتبه بهما أوقفا الاثنين الماضي خلال عملية مشتركة للاستخبارات التركية والشرطة. وأضافت أن هذين الشخصين أجريا في الآونة الأخيرة اتصالات كثيرة مع شخص مراقب من قبل الاستخبارات التركية في إطار التحقيق في قضية خاشقجي.

كعادة النظام التركي وحلفائه في المنطقة، يتم تلغيم الخبر بأكثر من فرضية ونحو أكثر من وجهة، لذلك تم ربط قضية الجاسوسين المفترضين أولا بمحمد دحلان، كونه يعتبر خصما سياسيا لحركة حماس الإخوانية ومنافسا جديا لها في قطاع غزة، وكونه يعتبر لدى إسلاميي المنطقة أحد أبرز المعادين لمشروعهم.

ولا يكتمل ذكر دحلان إلا بذكر ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، الذي ينظر إليه الإخوان على أنه أحد أبرز المتصدين لمشروعهم التخريبي في المنطقة، وإلى بلاده على أنها الداعم الرئيسي لثورة الثلاثين من يونيو 2013 التي أطاحت بحكمهم في مصر، وللجيش الوطني الليبي الذي يعمل على اقتلاع آخر جذورهم في ليبيا، وهي إحدى الدول الأربع التي قاطعت نظام الدوحة وكشفت عن تورطه في دعم الإرهاب وتآمره على أمن واستقرار الشعوب وسيادة الدول ووحدة المجتمعات.

ثم جاء ذكر جمال خاشقجي، الصحافي السعودي الذي حاول أردوغان أن يجعل من قضية مقتله في قنصلية بلاده في إسطنبول حصان طروادة لابتزاز الرياض سياسيا واقتصاديا، قبل أن يستفيق على أنه كان يلاحق خيط دخان، فالمملكة بثقلها الحضاري والسياسي والاقتصادي والاستراتيجي أكبر من أن تخضع للابتزاز من أي طرف مهما كان حجمه ودوره.

الواقع أن النظام التركي لا يتحرك بمعزل عن مواقف حليفه القطري، الذي يعتقد جازما بأن الإمارات هي الدولة التي تتزعم الطرف المناهض لمشروع الإسلام السياسي في المنطقة. وتجذّرت هذه الفكرة لدى جميع قوى الإسلام السياسي في المنطقة التي ترى أن وضعها كان سيكون أفضل من حيث السيطرة والتمكين وبسط النفوذ لولا الدور الإماراتي، ولولا مواقف الشيخ محمد بن زايد.

ويصل الأمر بهذه القوى إلى القول إن ولي عهد أبوظبي هو من يتزعم معركة الإطاحة بمشروعها، وهو من أقنع دولا أخرى، ومنها المملكة العربية السعودية، بما تمثله من خطر على الجميع، وهو من كشف عن أجندات الدوحة وأنقرة في هذا السياق خصوصا بعد قرار الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) في يونيو 2017 مقاطعة النظام القطري واندفاع تركيا لمساندته، ما جعل وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، يقول إن «أبوظبي لديها موقف سلبي تجاه أنقرة»، دون أن يسترسل في تفسير دوافع هذا الموقف، ومنها اتجاه نظام العدالة والتنمية إلى التحالف مع جماعة الإخوان ضد المجتمعات العربية بأسرها، وارتباطه بالمؤامرات التي تستهدف لا أنظمة المنطقة فقط، وإنما الدول ككيانات ذات سيادة، وبحثه عن منافذ للتسلل نحو تهديد الأمن القومي العربي في الخليج والمشرق العربيين وفي القرن الأفريقي وشمال أفريقيا.

تصدير أزمة

ربطت تركيا الأردوغانية مصيرها بمصير الإسلام السياسي بجميع تفرعاته من الإخوان إلى القاعدة فداعش.
تركيا الأردوغانية ربطت مصيرها بمصير الإسلام السياسي بجميع تفرعاته من الإخوان إلى القاعدة فداعش

ربطت تركيا الأردوغانية مصيرها بمصير الإسلام السياسي بجميع تفرعاته من الإخوان إلى القاعدة فداعش. وحاولت من وجهة نظر مرتبطة بتاريخها الاستعماري أن تلعب دور القوة الصانعة لقرار المسلمين، وبخاصة السنّة منهم في المنطقة والعالم. وعندما تمت الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، شعر أردوغان أن مشروع الهيمنة فقد ركنا مهما وأساسيا في خارطته العقائدية، فاتجه بكل قوة ليعلن عداوته للإمارات، الدولة التي ترى أن قوة العرب في قوة مصر، وأن مصر لا يمكن أن تُختصر في مخطط جماعة ذات مشروع عابر للحدود ونقيض للدولة.

وعندما تعرّض النظام في تركيا إلى محاولة انقلاب في سنة 2016، كان الاتهام التركي جاهزا لدولة الإمارات بأنها تقف وراء دعمه، ولكن دون مؤيدات.

وجنّد أردوغان وسائل إعلامه لإقناع شعبه بأن الإمارات تقف وراء كل أزماته، وأنها تريد له أن يأتي عليه يوم لا يجد فيه ربطة خبز ليأكلها.

ومما زاد في حرقة دم السلطان الإخواني أن الإمارات اتهمت بلاده في أغسطس 2017 بـ”السلوك الاستعماري والتنافسي” عن طريق “محاولة الحد من سيادة الدولة السورية” من خلال وجودها العسكري في سوريا، ثم ما جاء لاحقا على لسان وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية الدكتور أنور قرقاش، من أن “النظرة الطائفية والحزبية ليست بديلا مقبولا، وأن العالم العربي لن تقوده طهران أو أنقرة”.

اليوم، هناك مشاكل عدة تواجه نظام العدالة والتنمية تدفعه لمحاولة تصدير أزماته، منها ما هو داخلي كارتفاع معدل البطالة بأكثر من المتوقع إلى 14.7 بالمئة في يناير الماضي، 26.7 بالمئة منها في صفوف الشباب، وبلوغ عدد العاطلين عن العمل 4.7 مليون شخص، واتساع عجز الميزانية إلى 24.5 مليار ليرة (4.24 مليار دولار) في مارس الماضي.

وسجل ميزان المعاملات الجارية في البلاد عجزا قدر بـ 718 مليون دولار في فبراير الماضي، فيما بلغ عجز ميزان المعاملات الجارية 589 مليون دولار في يناير الماضي، إضافة إلى تراجع الليرة التركية من جديد أمام العملات الأجنبية.

وتسبب هذا الوضع الاقتصادي في تململ اجتماعي، سرعان ما ترجمته نتائج الانتخابات البلدية التي سجلت خسارة لحزب أردوغان في عدد من البلديات الكبرى أبرزها إسطنبول بما تمثله من رمزية له ولحزبه ولأنصاره، وأنقرة العاصمة بما تعنيه من رمزية الدولة ومؤسساتها.

وعلى مستوى المشاكل الخارجية، بدأ المشروع الإخواني الذي راهن عليه أردوغان في التقلص والتضاؤل والاضمحلال، خصوصا بعد نجاح مصر في تجاوز أزماتها التي كان يمكن أن تعرقل خطواتها وتعيد عجلتها إلى الوراء، وبعد الإطاحة بالحليف السوداني الذي مثّل بوابة لأحلام السلطان في القارة الأفريقية، ونجاح الجيش الوطني الليبي في تحرير أكثر من 90 بالمئة من مساحة بلاده من الإرهاب والجماعات المتشددة المحسوبة على المحور التركي القطري، والتضييق على حضور تركيا في القرن الأفريقي، وانهيار مشروع أردوغان في السيطرة على سوريا من خلال قوى الإسلام السياسي، أو حتى في اختراقها عبر المنطقة الآمنة التي كان يطمح إلى بسط نفوذه عليها، واستعادة العراق جانبا من عافية علاقاته مع أشقائه العرب وخاصة المملكة العربية السعودية، ونجاح الرياض في تجاوز ارتدادات أزمة مقتل خاشقجي التي كان يراد لها أن تكون مصدر إرباك للدولة ولمؤسسة الحكم، إضافة إلى تأزم علاقات أنقرة مع واشنطن ومع أغلب العواصم الأوروبية.

كل هذه المشاكل الداخلية والخارجية، تدفع بنظام أردوغان إلى إقناع شعبه بأنه مستهدف، وأن من يستهدفه من الخارج تلك الدول التي لا تريد لمشروعه التوسعي الإمبراطوري أن يصل مداه تحت عباءة الإسلام السياسي.

وتأتي دولة الإمارات على رأس اللائحة التي يعمل على ترويجها، وعندما لا يجد دليلا، يحاول أن يختلقه، لتكون قضية التجسس المصطنعة، والتي لا تخرج عن دائرة اعتناقه نظرية المؤامرة التي طالما كانت ولا تزال جزءا مهما من عقيدته السياسية، ومن عقيدة حزبه وأتباعه، والتي بلغت بنائب رئيس حزب العدالة والتنمية في مدينة إسطنبول تولغاي دمير أن ادَّعى قبل عامين أن الأرض في الواقع مسطحة وأن مفهوم الكوكب يُشكل مؤامرة خطط لها كل من الكرسي الرسولي، واليسوعيين والماسونية.

7